في وقت يتّجه فيه الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة ضد واحد من أخطر قادة المليشيات المتورّطة في جرائم واسعة بالسودان، تتواصل الاتهامات الدولية والإقليمية لأبوظبي بلعب الدور الأخطر في تأجيج الحرب عبر تزويد قوات الدعم السريع بالسلاح والمال والدعم اللوجستي، وهو ما يفاقم الكارثة الإنسانية ويطيل أمد الصراع.
هذا التناقض الصارخ بين مساعي العواصم الغربية لفرض المحاسبة وبين الدور الإماراتي الموثّق في تغذية آلة الحرب، يعيد طرح السؤال الأكبر: هل يمكن لأي عقوبات أن تؤتي ثمارها بينما تستمر شبكات التسليح الخارجية في العمل بلا توقف؟

عقوبات أوروبية مرتقبة على عبد الرحيم دقلو
بحسب دبلوماسيين نقلت عنهم وكالة رويترز، من المتوقع أن يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات رسمية على عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع والشقيق الأقرب لزعيم المليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي)، خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل الخميس. تشير المعلومات إلى أن القرار يحظى بإجماع شبه كامل داخل التكتل الأوروبي بعد توالي التقارير الأممية والحقوقية التي وثّقت الانتهاكات الواسعة التي شاركت فيها قوات الدعم السريع خلال العامين الماضيين، لا سيما في دارفور والفاشر.
العقوبات تشمل حظر سفر دقلو إلى دول الاتحاد الأوروبي، وتجميد أي أصول يمتلكها داخل أوروبا، في خطوة تهدف إلى تقويض حركة قيادات الدعم السريع وحرمانهم من الملاذات المالية الآمنة التي استخدمتها المليشيا لعقود في تبييض الأموال والالتفاف على الرقابة الدولية.
الفاشر.. المدينة التي فجرّت الإجماع الأوروبي
أبرز ما سرّع التحرك الأوروبي هو سقوط مدينة الفاشر مؤخراً بيد قوات الدعم السريع، وهي إحدى أكبر مدن السودان وآخر المعاقل الرئيسية للجيش في دارفور. أعاد الحدث إلى الواجهة شبح الإبادة الجماعية التي شهدتها دارفور قبل أكثر من عقدين، خاصة بعد انتشار تقارير تتحدث عن عمليات قتل جماعي، اغتصاب، نهب واسع النطاق، وتصفية جماعية للسكان—وهي الانتهاكات نفسها التي ارتبطت تاريخياً بمليشيات الجنجويد والتي تُشكّل قوات الدعم السريع امتدادها المباشر.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الحرب الدائرة منذ منتصف أبريل/نيسان 2023 أسفرت عن تشريد نحو 13 مليون شخص، ما يجعلها أكبر أزمة نزوح في العالم اليوم، إلى جانب عشرات الآلاف من القتلى وانهيار كامل للبنية الخدمية والصحية في معظم ولايات السودان.
محاولة من الدعم السريع للحد من آثار القرار
من جانبها، حاولت قوات الدعم السريع التقليل من أهمية القرار الأوروبي، إذ نقلت رويترز عن أحد قادتها قوله إن “التحقيقات جارية، وأي شخص يثبت تورطه في انتهاكات سيُحاسَب”، معتبراً أن تقارير الفظائع في الفاشر “بالغ فيها الجيش وحلفاؤه”. إلا أن هذه التصريحات تأتي في سياق سلسلة طويلة من بيانات مشابهة لم تُترجم إطلاقاً إلى إجراءات حقيقية، إذ لم تُعلن المليشيا يوماً عن محاكمة أي عنصر من عناصرها رغم عشرات الجرائم الموثّقة.
نهج تدريجي في العقوبات.. وقنوات للحوار
بحسب المصادر الأوروبية التي تحدثت لرويترز، فإن الاتحاد الأوروبي يدرس اتباع نهج تدريجي في العقوبات، بحيث تُفرض على مستويات مختلفة من قيادات الدعم السريع، مع إبقاء نافذة للحوار السياسي بهدف الوصول إلى وقف إطلاق النار. غير أن هذا التوجه يثير جدلاً؛ فهناك من يرى أن إبقاء قنوات مفتوحة مع قادة مليشيا متورطة في الإبادة الجماعية يبعث برسالة خاطئة، خاصة بعد فشل كل جولات التفاوض السابقة.
بريطانيا تلوّح بعقوبات مماثلة
في السياق ذاته، أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء الماضي، أن لندن تستعد لفرض عقوبات على خلفية “الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان” في السودان، مؤكدة ضرورة تكثيف الجهود الدولية لدفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار. الخطوة البريطانية تُعزز الضغوط الأوروبية، وقد تمهد لمسار أوسع يشمل تنسيقاً مع واشنطن التي سبق أن فرضت عقوبات على شركات مرتبطة بالدعم السريع.
الإمارات.. المتهم الغائب الحاضر
لكن وسط كل ذلك، يظل الفيل الحاضر في الغرفة: الدور الإماراتي. فبينما يبحث الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على قياديي الدعم السريع، تؤكد تقارير أممية وصحفية—including CNN وReuters وThe Guardian—تورط أبوظبي في تزويد المليشيا بالأسلحة الثقيلة، والطائرات المسيّرة، والذخائر، عبر شبكات معقدة تمتد من ليبيا وتشاد إلى إفريقيا الوسطى.
ويشكّل الدعم الإماراتي—الذي يشمل نقل السلاح عبر مطارات مثل أم جرس في تشاد، وإدارة خطوط الإمداد عبر قوات محلية تدعمها أبوظبي—العامل الأكبر في تمكين الدعم السريع من السيطرة على مدن كبرى مثل نيالا وزالنجي والفاشر. فكلما زادت الضغوط الدولية على حميدتي وشقيقه، ازداد اعتمادهم على مصدر التمويل الخارجي الأساسي: الإمارات.
بمعنى أوضح: أي عقوبات أوروبية لا تستهدف شبكات التسليح الإماراتية لن تغيّر شيئاً في مسار الحرب.
خاتمة: عقوبات بلا معالجة للجذور
يأتي تحرك الاتحاد الأوروبي في لحظة حرجة ينهار فيها السودان أمام واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث. ورغم أهمية العقوبات المرتقبة على عبد الرحيم دقلو، فإنها تبقى خطوة جزئية ما لم تتناول الدول الغربية الأسباب الحقيقية التي تجعل الدعم السريع قادراً على مواصلة الحرب، وعلى رأسها الدعم الإماراتي المستمر.
إن وقف النزيف في السودان يتطلب ليس فقط معاقبة الجناة المحليين، بل أيضاً تفكيك منظومة الإمداد الخارجية التي تمدّ المليشيا بالقدرة والشرعية والتمويل. ومن دون ذلك، فإن مأساة السودان لن تتوقف—وستواصل دارفور دفع الثمن الأكبر.
اقرأ أيضًا : مراسلة تُحرج ابن سلمان وترامب ينفجر غضباً