في تطور جديد يُجسّد عمق المأساة المتفاقمة في قطاع غزة، أعلنت إدارة مستشفى ناصر الطبي في خان يونس عن نفاد القبور المخصصة لدفن الشهداء، في مشهد يلخّص مدى الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون منذ أكثر من 21 شهرًا، وسط صمت دولي وتواطؤ عربي مريب.
الإعلان جاء بعد غارات إسرائيلية وُصفت بأنها “الأعنف منذ مدة”، وأسفرت عن ارتفاع عدد الشهداء إلى 97 في يوم واحد فقط، ليرتفع العدد الإجمالي منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023 إلى أكثر من 56,500 شهيد.

شهادات الموت تحت الأنقاض.. و”الزيتون” تحترق مجددًا
منذ فجر الإثنين، تكثّف آلة الحرب الإسرائيلية قصفها الجوي والمدفعي على مناطق عدة في قطاع غزة، كان أبرزها الأحياء الشرقية لمدينة غزة، مثل الزيتون، الشجاعية، والتفاح. استهدفت الغارات منازل سكنية، خيام نازحين، مقاهي شعبية، ومستودعات تستخدمها الجمعيات الخيرية لتوزيع المساعدات.
وبحسب إفادات طبية، فإن القصف أدى إلى استشهاد خمسة فلسطينيين في مناطق متفرقة، اثنان في حي الشجاعية داخل منزل لعائلة كساب، وثلاثة آخرون قرب مفترق حلاوة في جباليا شمال القطاع. كما سُجلت مجازر جديدة بحق المدنيين في المدارس التي لجأ إليها النازحون، إذ تم استهداف أربع مدارس دفعة واحدة، بينها ثلاث مدارس متجاورة في حي الزيتون والرابعة في حي التفاح، بالرغم من تحذيرات الأمم المتحدة من أن هذه المدارس تكتظ بالنازحين ولا يمكن إخلاؤها فعليًا.
وفي الوقت نفسه، أفاد مصدر طبي لمراسل الأناضول بوصول أشلاء لعشرة شهداء إلى المستشفى المعمداني نتيجة استهداف مستودع تجاري في حي الصبرة، كان يُستخدم من قبل جمعيات خيرية لتخزين المساعدات. هذا المشهد المتكرر يعكس سياسة ممنهجة لتجويع الفلسطينيين، ومنع أي شكل من أشكال الإغاثة، في إطار ما يشبه سياسة “المحرقة البطيئة”.
المنظمات تحذّر.. لكن العرب في سبات عميق
قال عدنان أبو حسنة، المتحدث باسم وكالة “الأونروا”، إن ما يجري في غزة “يفوق وصف الكارثة”، مؤكداً أن عدد الشهداء والجرحى يُعادل ما لا يقل عن 10% من سكان القطاع، وقد يكون أكثر. وأضاف في تصريحاته: “نحتاج إلى مصطلح جديد، فالكارثة لا تكفي لوصف الوضع هنا”. كما سخر من اللجنة التي أنشأها الاحتلال لتوزيع المساعدات، واصفًا إياها بأنها لا تمتّ للعمل الإنساني بأي صلة، ومآلها الفشل الذريع.
من جانبها، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن شحنتها الطبية الأخيرة “لن تقدم سوى القليل من الإغاثة”، محذرة من أن “المدنيين يُقتلون أثناء بحثهم عن الطعام”. هذا التصريح يعكس ما سبق أن حذرت منه تقارير دولية حول استخدام إسرائيل للتجويع كسلاح حرب، وهو ما يرقى إلى “جريمة حرب” وفقًا لمعاهدة روما المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية.
لكن أمام كل هذه التقارير والنداءات، لا يزال الموقف العربي غارقًا في الصمت أو التواطؤ، وكأن ما يحدث على بعد خطوات من حدودهم لا يعنيهم. لا جامعة عربية تُحرّك ساكنًا، ولا اجتماع طارئ يُعقد، بينما تتواصل موجات التطبيع، وتُفتح أبواب العواصم أمام قادة الاحتلال، في مشهد من الانحدار الأخلاقي والسياسي غير المسبوق في التاريخ العربي المعاصر.
مقابر ممتلئة.. وصمتٌ يملأ العالم
أعلنت إدارة مغسلة مستشفى ناصر في خان يونس رسميًا عن نفاد القبور المخصصة لدفن الشهداء. وفي مشهد مروّع، اضطرت الطواقم الطبية إلى تكديس جثامين الشهداء داخل المستشفى وفي الساحات القريبة، بانتظار إيجاد حلول لدفنهم في مقابر جماعية أو مواقع جديدة، بعد أن ضاقت الأرض بأهلها، وبات الموتى بلا قبور. هذه الكارثة الإنسانية تضاف إلى سجل طويل من المجازر والانتهاكات التي يُمارسها الاحتلال الإسرائيلي دون أي مساءلة.
ووفق ما أعلنته وزارة الصحة في غزة، فقد ارتفع عدد الشهداء منذ بدء العدوان في 18 مارس 2024 إلى 6,203، فيما بلغ عدد الجرحى 21,601 خلال هذه المدة فقط، مما يُضاف إلى حصيلة بلغت منذ السابع من أكتوبر 2023 نحو 56,531 شهيدًا و133,642 إصابة.
ورغم هذا الدمار غير المسبوق، لا تزال فرق الإسعاف والدفاع المدني عاجزة عن الوصول إلى العديد من الضحايا العالقين تحت الأنقاض، وسط استمرار القصف وانعدام المعدات الأساسية.
نهاية الإنسانية.. وبداية التواطؤ العالمي
ما يجري في غزة لم يعد نزاعًا عسكريًا، بل إبادة ممنهجة ومتكاملة الأركان. قتل، تجويع، حصار، تدمير للبنية التحتية، قصف لمراكز الإيواء، منع للمساعدات، واستهداف مباشر للمدنيين في الطوابير وخيام النزوح. وكل ذلك يجري على مرأى ومسمع من العالم، الذي اكتفى ببعض التصريحات الدبلوماسية، دون خطوات حقيقية لوقف المذبحة.
العرب، من جهتهم، إما منشغلون بتطبيعهم، أو غارقون في أزماتهم الداخلية، أو خائفون من غضب الداعمين الغربيين. أما الشعوب، فمكبّلة في ظل أنظمة تقمع الصوت الحر وتمنع أي حراك تضامني حقيقي.
وفي الختام، فإن صرخات الأمهات على أبواب المستشفيات، وجثامين الأطفال المتكدسة في الممرات، لم تعد تطلب المساعدة، بل تشهد على خيانة العالم، وتكتب بدمها شهادة وفاة الضمير الإنساني، وسط صمت عربي هو في حد ذاته جريمة لا تُغتفر.
اقرأ أيضًا : بدعم إماراتي للميليشيات.. الجوع يقضي على 239 طفلًا في الفاشر وسط حصار خانق