في مشهد يعيد للأذهان فصول النكبة والتهجير القسري، صعّدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة عدوانها على الضفة الغربية، حيث تواصل تنفيذ مخططات هدم جماعي للمخيمات الفلسطينية، في حين تتكامل الاعتداءات الدموية التي ينفذها المستوطنون مع عمليات القمع المنهجية من قبل جيش الاحتلال.
وبينما تتعالى صرخات الفلسطينيين تحت أنقاض منازلهم وفي أقبية الاعتقال، يصرّ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على الصمت بل والتواطؤ، في موقف يراه كثيرون بمثابة خيانة وطنية وتفريط متواصل بحقوق الشعب الفلسطيني.

مخيم جنين تحت الجرافات.. تدمير ممنهج وتشريد الآلاف
استأنفت قوات الاحتلال صباح السبت عمليات الهدم الواسعة في مخيم جنين شمال الضفة الغربية، في واحدة من أكثر الهجمات تدميرًا منذ سنوات. حيث تم استهداف نحو 95 بناية سكنية تضم حوالي 300 شقة، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها جريمة تطهير عمراني تهدف إلى تفريغ المخيم من سكانه وطمس هويته.
هذه العمليات ليست وليدة اللحظة، بل جاءت ضمن خطة عسكرية إسرائيلية بدأت فعليًا قبل خمسة أشهر بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وشملت مخيمات أخرى مثل نور شمس وطولكرم. وبحسب إفادات محلية وتقارير صحفية، فإن سلطات الاحتلال تسعى إلى إعادة تشكيل الخارطة الجغرافية للمخيمات الفلسطينية، تحت ذريعة “فتح طرق أمنية” لمحاصرة المقاومة ومنع تمددها.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن آلاف العائلات تم تهجيرها قسريًا منذ بداية الحملة، في ظروف إنسانية صعبة، حيث ينام المئات الآن في العراء أو في مدارس مؤقتة، دون أن يتحرك المجتمع الدولي لوقف الجريمة أو تقديم دعم ملموس.
اعتداءات المستوطنين بالخليل.. ذراع الإرهاب غير الرسمي
في بلدة يطا جنوب الخليل، شنّ مستوطنون صباح اليوم السبت هجومًا عنيفًا أسفر عن إصابة 6 مواطنين، بينهم امرأة، إلى جانب تحطيم سيارات وتخريب ممتلكات زراعية ومنشآت لتربية الدواجن. هذه الجريمة ليست استثناءً بل جزء من مسلسل اعتداءات يومية، ترعاها حكومة الاحتلال اليمينية وتغضّ الطرف عنها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
منظمة “البيدر” للدفاع عن حقوق البدو، وثّقت تفاصيل الاعتداء الوحشي، مؤكدة أن المستوطنين استهدفوا خزانات المياه والأعلاف والأشجار في إطار ما يسمى “الإرهاب الزراعي” الهادف إلى دفع الفلسطينيين لترك أراضيهم.
وفي تقرير شهري لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تم توثيق 1691 اعتداء في الضفة الغربية خلال مايو فقط، منها 415 اعتداء نفذها مستوطنون، وتتركز غالبيتها في رام الله ونابلس والخليل. هذا التصعيد المنظم يتكامل مع سياسة التهجير التي تنفذها قوات الاحتلال في وضح النهار، ويشكل حلقة في مشروع ضم الزحف الاستيطاني المتسارع.
اعتقالات جماعية وصمت عباس.. شراكة في القمع
بالتوازي مع الهدم والاعتداءات، نفذت قوات الاحتلال فجر اليوم حملة اقتحامات واعتقالات واسعة في الضفة، طالت 21 مواطنًا على الأقل في جنين وطوباس والخليل، حيث تم اقتحام منازل واعتداءات على الأهالي، خاصة في بلدات دورا وبيت عوا وحلحول.
هذه الاعتقالات جزء من موجة قمع غير مسبوقة تشهدها الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، حيث تجاوز عدد الشهداء 980 شهيدًا، وبلغ عدد الجرحى قرابة 7000، فيما تم اعتقال أكثر من 17 ألف فلسطيني وفقًا لمؤسسات حقوقية.
لكن ما يثير السخط الشعبي ليس فقط إجرام الاحتلال، بل الصمت الفاضح لرئيس السلطة محمود عباس، الذي لم يعلّق على هدم جنين ولا اعتداءات الخليل، بل يواصل إرسال وفود أمنية للتنسيق مع الاحتلال، في وقت يقبع فيه آلاف الفلسطينيين في السجون والمنافي.
تعتبر مواقف عباس امتدادًا لسياسات التنسيق الأمني، التي وصفها رئيس الشاباك السابق بأنها “أهم كنز استراتيجي لإسرائيل”، فيما يرى فيها الفلسطينيون تواطؤًا مكشوفًا وتفريطًا بالكرامة الوطنية. ويتساءل مراقبون: هل تحول عباس من رئيس سلطة وطنية إلى وكيل أمني للاحتلال؟ ولماذا يواصل البقاء في منصبه بينما يعجز عن حماية حتى مخيمات اللاجئين من الجرافات؟
خاتمة: بين الاحتلال والمستوطنين و”السلطة الصامتة”.. الضفة تحت النار
في ظل تكامل حلقات العدوان – من الهدم في جنين، إلى اعتداءات المستوطنين في الخليل، والاعتقالات اليومية في سائر مدن الضفة – يعيش الفلسطينيون واحدة من أقسى المراحل في تاريخ الاحتلال، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الجرافة والرصاصة والعنصرية.
ووسط هذا المشهد المأساوي، يظهر غياب القيادة الفلسطينية عن الفعل والموقف، مما يطرح أسئلة حقيقية حول مشروعية السلطة وقيادتها، وقدرتها على حماية شعبها أو حتى التعبير عن آلامه.
فهل يستمر الصمت؟ أم آن أوان محاسبة الاحتلال وشركائه في الداخل والخارج؟ ومتى يتحول الغضب الشعبي إلى فعل سياسي يعيد تعريف مشروع التحرر الفلسطيني من جديد؟
اقرأ أيضًا : ترامب يعلن قصف منشآت نووية إيرانية: عدوان أمريكي-إسرائيلي يهدد بإشعال حرب كارثية في المنطقة