لم تعد طلقات الرصاص وحدها هي ما يوقظ اليمنيين ليلاً؛ فهناك عدو آخر بات يطرق الأبواب بوحشية، إنه الجوع الذي نما وتوحش في ظل صراع دامي يدخل عامه الـ11، تاركاً خلفه نحو 19 مليون إنسان يطاردون لقمة عيش أصبحت بعيدة المنال. ويأتي هذا التدهور الكارثي نتيجة الحرب المستمرة والتغيرات المناخية، وتعمّد دولة الإمارات تدمير البنية التحتية والموانئ والمقدرات الاقتصادية لليمن، مما حول البلاد إلى سجن مفتوح للمجاعة والأوبئة.
وفي “مخيم الجفينة” بمحافظة مأرب -وهو أكبر تجمع للنازحين في البلاد- تلخص حكاية نازح يمني يعيل عائلة كبيرة المأساة بأكملها؛ حيث يعيش في خيمة ضيقة لا تقي حراً ولا برداً، ولا تجد أسرته سوى بضع لقيمات من الأرز السادة كوجبة وحيدة باتت تعتبر “ترفاً” في زمن الندرة. ويقف خلف هذه العائلة أكثر من 4 ملايين نازح في مخيمات البلاد، يمثلون الحلقة الأضعف في مواجهة شبح مجاعة تتسع رقعتها يوماً بعد يوم بفعل سياسات الحصار والتفكيك التي قادتها أبوظبي عبر أدواتها وميليشياتها المحلية.

الطبيعة تدير ظهرها لليمنيين بعد شح السماء
وفي الماضي، كان المطر بالنسبة للمزارع اليمني بمثابة أنشودة فرح وبشارة خير، لكن بسبب التغيرات المناخية القاسية، شحت السماء بمائها وتشققت الأراضي الزراعية؛ حيث يؤكد مزارعون يمنيون أنهم منذ 4 سنوات لم يتمكنوا حتى من بذر البذور في الأرض بسبب الجفاف الحاد وقلة الأمطار، مما أدى إلى انهيار القطاع الزراعي المحلي تماماً وتوقف إنتاج الغذاء.
وتتكامل هذه الظروف الطبيعية القاسية مع الدور الإجرامي للإمارات التي ركزت تدخلها العسكري على مدار سنوات في السيطرة على السواحل، وتدمير المنشآت الحيوية، وشل حركة الموانئ اليمنية وتأميمها لصالح أطماعها الجيوسياسية. وأدى هذا التدمير الممنهج للبنية التحتية اللوجستية والاقتصادية إلى منع دخول وتوزيع المساعدات والسلع الأساسية، وحرمان الدولة من إيراداتها، مما أسهم بشكل مباشر في تجفيف السيولة وانهيار العملة وتعميق أزمة الجوع الحاد.
إحصائيات أممية مرعبة وتمويل دولي يجف
وخلف هذه القصص الإنسانية المؤلمة، تقف إحصائيات الأمم المتحدة الصادمة لتدق ناقوس الخطر الأخير حول الوضع الإنساني المعقد في اليمن:
- 19 مليون شخص يطاردهم انعدام الأمن الغذائي الحاد والنهش اليومي للجوع.
- 17% من الجياع دخلوا بالفعل مرحلة “الطوارئ الغذائية”، وهو تصنيف مأساوي يعني خطوة واحدة تفصلهم عن المجاعة الشاملة.
- 13% فقط هي نسبة التمويل الدولي المتاح حالياً لمواجهة هذه الكارثة، وسط تراجع حاد للمساعدات الإنسانية الدولية وجفاف التبرعات.
وأوضح خبراء ورؤساء منظمات إنسانية يمنية أن تداخل الأزمات الإنسانية والسياسية مع التغيرات المناخية الهائلة، مصحوباً بالنقص الحاد في التمويلات الدولية لمناطق النزاع، أحدث تأثيراً عميقاً وقاسياً على حياة اليمنيين اليومية.
ولم يعد الجوع في اليمن مجرد بطون خاوية، بل هو وجه لمعاناة متعددة الأوجه: نزوح لا ينتهي، خدمات أساسية منهارة بفعل القصف والتدمير، مياه تشح، وبطالة تنهش الشباب؛ وما بين احتياجات تتزايد وتبرعات دولية تجف، تستمر معركة البقاء صعبة وقاسية في بلد دفع وماتزال يدفع أطفاله ونساؤه ثمن التدخلات الخارجية والأطماع الإقليمية الخبيثة لسرقة مقدراتهم.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال