في خطوة وصفتها صنعاء بـ”الضربة الأمنية الأضخم”، أعلنت وزارة الداخلية التابعة لحركة أنصار الله (الحوثيين) ضبط شبكة تجسّس دولية على صلة مباشرة بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، وجهاز المخابرات السعودي، ضمن ما وصفته بـ”غرفة عمليات مشتركة” تمارس أنشطة تخريبية واستطلاعية تستهدف اليمن.
![]()
عملية ضد صنعاء
بحسب بيان الوزارة، فإن العملية الأمنية التي أُطلق عليها اسم “ومكر أولئك هو يبور” جاءت بعد رصد طويل وتحقيقات مكثفة أدت إلى الإطاحة بعناصر الشبكة وكشف ارتباطاتهم الخارجية. وأكد المتحدث باسم الوزارة أن الغرفة المشتركة كانت تدار من داخل الأراضي السعودية وتشرف على تجنيد وتدريب وتمويل مجموعات تجسس صغيرة، تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى لتجنب الكشف المتبادل.
وأوضح البيان أن هذه الغرفة كانت تشكل نقطة تنسيق استخباراتي بين واشنطن وتل أبيب والرياض، هدفها جمع معلومات حساسة عن القدرات العسكرية اليمنية، بما في ذلك مواقع التصنيع العسكري ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تحركات القيادات العسكرية والأمنية والمدنية داخل مناطق سيطرة أنصار الله.
تدريب وتمويل وتجهيز متطور
البيان كشف أن عناصر الشبكة تلقوا تدريبات متخصصة في استخدام أجهزة تجسس حديثة وأساليب تمويه ورفع الإحداثيات، على أيدي ضباط من الأجهزة الثلاثة داخل الأراضي السعودية. كما تم تزويدهم بمعدات إلكترونية متقدمة، وأجهزة إرسال واستقبال يصعب رصدها.
وأشار البيان إلى أن الشبكة كانت ترسل تقاريرها الدورية إلى الغرفة المركزية في السعودية عبر قنوات اتصال مشفّرة، وأن فرقًا استخبارية مختصة كانت تتولى تحليل هذه التقارير وإرسال التوجيهات الميدانية للعناصر المنفّذة داخل اليمن.
استهداف البنية التحتية والمدنيين
اتهمت الداخلية اليمنية عناصر الشبكة بالمشاركة في تسهيل هجمات أميركية وإسرائيلية على منشآت مدنية ويمنية حساسة، من خلال تزويد المعتدين بإحداثيات دقيقة عن مواقع معينة. وأكدت أن هذه الأنشطة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، وتهدف إلى “الإضرار بالبنية التحتية، وإضعاف الاقتصاد الوطني، وزعزعة ثقة الشعب بمؤسساته الأمنية والعسكرية”.
كما أشار البيان إلى أن بعض الخلايا التجسسية ركزت عملها على رصد مواقع إنتاج الوقود والمنشآت الكهربائية ومخازن الغذاء، بغرض تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في البلاد.
أبعاد سياسية وأمنية
يرى مراقبون أن هذا الإعلان يأتي في سياق تصاعد المواجهة الاستخبارية بين صنعاء والرياض، خصوصًا بعد انخراط السعودية في تحالفات أمنية وعسكرية إقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في إطار ما تسميه “مبادرات الردع المشتركة ضد إيران وحلفائها”.
ويرى محللون أن هذه القضية تُشكّل إدانة مباشرة للمملكة التي تحولت -بحسب الخطاب الحوثي- من دولة نفطية إلى “دولة جاسوسية” توظف أدواتها الأمنية والاستخباراتية في تجنيد شبكات تخريبية ضد خصومها الإقليميين. كما أن الربط المعلن بين الرياض والموساد يعزز من اتهامات سابقة حول تنامي التعاون الاستخباراتي بين الجانبين، في ظل مسار التطبيع غير المعلن الذي شهد مؤشرات متزايدة خلال العامين الأخيرين.
رسالة للداخل والخارج
تقول وزارة الداخلية في صنعاء إن إعلانها يأتي في توقيت حساس، مع تصاعد التوتر الإقليمي في البحر الأحمر واستمرار الهجمات الحوثية ضد السفن الإسرائيلية والأميركية. واعتبر محللون أن البيان يوجّه رسالتين متوازيتين:
-
الأولى إلى الداخل اليمني لتأكيد يقظة الأجهزة الأمنية واستمرارها في “حماية الجبهة الداخلية” من محاولات الاختراق.
-
والثانية إلى الخارج، خاصة واشنطن وتل أبيب والرياض، بأن صنعاء تمتلك قدرات استخباراتية متقدمة قادرة على اختراق وتعقب شبكات الخصوم الإقليميين.
السعودية تحت المجهر
من ناحية أخرى، يرى خبراء أن هذا التطور يضع المملكة في موقف حرج، إذ يتزامن مع محاولات ولي العهد محمد بن سلمان تحسين صورة بلاده على المستوى الدولي، من خلال سياسات “الانفتاح” و”الحياد” في ملفات المنطقة. إلا أن اتهامات الحوثيين تكشف –وفق محللين– عن وجه خفي للدبلوماسية السعودية يقوم على استخدام العمل الاستخباراتي والتجسسي كأداة ضغط وسيطرة في محيطها الإقليمي، خصوصًا تجاه اليمن الذي تحوّل منذ سنوات إلى ساحة صراع استخباراتي مفتوح.
كما يعزز البيان الحوثي من سردية أنصار الله التي تتهم الرياض بـ”التآمر مع واشنطن وتل أبيب لإسكات الصوت اليمني المناهض للهيمنة الأميركية والإسرائيلية”، خاصة في ظل تصاعد الدعم الشعبي في صنعاء وغرب اليمن للمقاومة الفلسطينية في غزة.
أبعاد إقليمية ومخاطر مستقبلية
تحذّر بعض التقديرات من أن تفكيك هذه الشبكة قد يشكّل بداية مرحلة جديدة من الصراع الاستخباراتي المفتوح، خصوصًا بعد تهديد الحوثيين بأن “أي تدخل استخباراتي أجنبي جديد سيُواجَه بردّ مباشر”، ما يُنذر بإمكانية تحويل المعركة الأمنية إلى مواجهة عسكرية أو سيبرانية تتجاوز حدود اليمن.
كما أن الكشف عن ارتباط الشبكة بالموساد و”CIA” يُعيد إلى الأذهان عمليات مماثلة جرت في لبنان وسوريا والعراق خلال العقدين الماضيين، ويؤكد –وفق مراقبين– أن اليمن بات الآن جزءًا من خريطة الصراع الاستخباراتي بين محور المقاومة والتحالف الأميركي-الإسرائيلي-السعودي.
خاتمة
يبدو أن ما أعلنته وزارة الداخلية في صنعاء يتجاوز مجرد “عملية أمنية ناجحة”، ليشكل إدانة سياسية علنية للسعودية بوصفها “دولة جاسوسية” تنسق مع واشنطن وتل أبيب ضد خصومها الإقليميين.
وبينما تسعى المملكة لتلميع صورتها كقوة استقرار في الشرق الأوسط، فإن الاتهامات الحوثية تكشف وجها آخر يعيد التذكير بأن حرب اليمن لم تنتهِ بعد، وإنما تحولت من قصف الطائرات إلى صراع الظلال بين أجهزة الاستخبارات.
اقرأ أيضًا : الإمارات تدعم الكارثة.. حين يأكل السودانيون طعام الحيوانات للبقاء أحياء