في مشهد يعيد للأذهان صور التضحية الأسطورية، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة دموية جديدة في حي الزيتون جنوبي مدينة غزة، راح ضحيتها سبعة أطفال من عائلة واحدة، أبناء السيدة إيناس فرحات، ابنة “خنساء فلسطين” الشهيدة أم نضال فرحات، ليتحول المشهد من مأساة إنسانية إلى شهادة حية على استمرار معركة الصمود والدم الفلسطيني المتجذر.
من رحم الأسطورة.. خنساء جديدة تولد من بين الأنقاض
“إيناس فرحات” لم تكن يومًا بعيدة عن خط النار؛ فهي ابنة المناضلة مريم محيسن (أم نضال)، التي زفّت أبناءها الثلاثة شهداء خلال الانتفاضة الثانية، ولم تكتفِ بالصبر، بل حملت الراية السياسية، فدخلت المجلس التشريعي رمزًا للمقاومة الأمومية الفلسطينية.
واليوم، تسير إيناس على نفس الطريق، لكنها لا تزف أبناءها لميدان المعركة، بل تبكيهم شهداء تحت ركام منزلهم الذي دُكّ دون سابق إنذار، في مجزرة لم تبقِ ولم تذر، راح ضحيتها:
محمد، سعد، زيد، بيسان، أسيل، سما، ولمى، في مشهد يهزّ الضمير الإنساني ويعمّق المأساة الغزية المستمرة منذ شهور.
استهداف العائلة.. رسالة مركّبة من الاحتلال
ليس استهداف منزل آل فرحات عشوائيًا أو عارضًا. فالاسم وحده يرمز إلى ذاكرة فلسطينية محفورة في وعي الأجيال، ويمثل إرثًا نضاليًا يصعب طمسه. وعليه، فإن قصف منزل إيناس فرحات هو رسالة مزدوجة:
-
إلى المقاومة: لن نوفر رموزكم، حتى ولو غادروا ساحة المواجهة المباشرة.
-
وإلى الشعب الفلسطيني: لا خطوط حمراء أمام آلة القتل.
الاحتلال، الذي لطالما اعتبر “أم نضال” تهديدًا يتجاوز العسكري، يعلم أن رمزية العائلة لا تقل خطورة عن أي سلاح، وأن امتداد هذه الرموز عبر الأجيال يمثّل فشلاً استراتيجياً في تطويع الوعي الفلسطيني.
من المجازر إلى الأساطير: الاحتلال يصنع بطلاً دون أن يدري
في محاولة لتفتيت البنية الاجتماعية للمقاومة، يستهدف الاحتلال البيوت، الآباء، والأطفال، لكنه – وبغير قصد – يصنع أساطير متجددة. كما فجّرت أم نضال المفهوم التقليدي للأمومة، تفجّره ابنتها اليوم بالصبر والدموع والدعاء.
وبينما أراد الاحتلال أن يطفئ شموع سبعة أطفال، أشعل في الوقت ذاته شمعة جديدة في وجدان الفلسطينيين: شمعة الخنساء الجديدة، التي لم ترفع شعار الانتقام، بل الصمود.
تفاعل شعبي واسع ورسالة للعالم
وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحة عزاء وصمود، حيث نعَت مئات الصفحات الفلسطينية والعربية الأطفال السبعة، فيما طالب نشطاء المجتمع الدولي بمحاسبة الاحتلال على جرائمه ضد المدنيين والأطفال.
لكن الصدمة الأعمق تكمن في صمت العالم الرسمي، الذي لا يرى في مذبحة عائلة فرحات سوى “تفاصيل مكررة” في دفتر المجازر اليومية.
-
إيناس فرحات لم تُستهدف لأنها مقاتلة، بل لأنها ابنة مقاومة، ووالدة لطفولة فلسطينية تشكل خطرًا على مشروع الاحتلال الاستعماري.
-
ما حدث ليس فقط جريمة حرب، بل محاولة لاغتيال الذاكرة الشعبية وتصفية الرمز قبل أن يكبر في وعي الأجيال.
-
وبدلاً من إسكات صوت المقاومة، صنع الاحتلال شهيدةً حية تمشي على خطى أمها، وتحمل اسم “الخنساء الجديدة” بإجماع شعبي عفوي.
لكن السؤال الأهم يبقى:
هل يتحرك الضمير الإنساني قبل أن يُصبح كل بيت فلسطيني في غزة “بيت خنساء”؟ أم أن صمت العالم سيظل شريكًا في قتل الأحلام والأبناء؟
اقرأ أيضا: “رصاص الخبز”.. الاحـ ـتـ ـلال يقتل الجوعى في غزة!