تغيير حجم الخط ع ع ع

  عام 2015، تم تعيين الأمير محمد بن نايف، ولياً لعهد المملكة العربية السعودية، في ذلك الوقت، كان هو الرجل الأنسب في هذا المنصب لما يملكه من قدرات وخبرات أمنية وعسكرية، ولعل قوته تلك هي التي دفعت ابن عمه الأصغر، محمد بن سلمان، ونجل الملك، لابتكار طرق جديدة لتجريده من لقه وعزله من عرشه والاستيلاء على منصبه، وهي الخطة التي استغرقت عامين من ابن سلمان للإطاحة بـ “أمير مكافحة الإرهاب” من منصبه والاستيلاء عليه.

 

كان بن سلمان حينها 30 عاماً، وعلى الرغم من عدم وجود خبرة عسكرية سابقة، فقد تم تعيينه وزيراً للدفاع، في حين أن نايف الذي شغل منصب وزير الداخلية منذ عام 2012، كان يتمتع بقدرات فائقة في مجال الأمن والاستخبارات بصورة لا تدع مجال للمقارنة بين خبرة الأمير الصغير وابن عمه الأمير الذي يكبره بأكثر من ربع قرن.

 

في بداية الألفية، أصبح بن نايف خبيرًا سعوديًا في مكافحة الإرهاب، تلقى تدريبه من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي وسكوتلاند يارد، وبدأ حياته المهنية في وزارة الداخلية، حيث كان رئيسًا للمخابرات ثم وزيرًا للداخلية، وهو المنصب الذي جعله يعمل بشكل وثيق مع وكالة المخابرات المركزية ومكنه من تكوين علاقات قوية مع المسؤولين الأمريكيين خاصة في عهد أوباما.

 

كان محمد بن نايف، المحبوب من قبل الأمريكيين، واحدًا من عدد قليل من الأمراء السعوديين الذين نجحوا في التعامل مع القضايا التي كُلفوا بمعالجتها، في عام 2010 على سبيل المثال، قام بتحذير وكالة المخابرات المركزية من مؤامرة تفجير طائرة شحن تضم طائرتين متجهتين إلى الولايات المتحدة، وغيرها من المهمات الكثيرة التي نجح بن نايف في تنفيذها.

 

في أبريل /نيسان 2015، عندما عين الملك سلمان بن نايف ولياً للعهد، اعتبرته واشنطن الخليفة المثالي، كما هو الحال في وطنه، إذ كان يُنظر إليه على أنه بطلاً قومياً.

 

وعلى الرغم من قوة ونفوذ بن نايف، كانت هناك العديد من الدلائل والعلامات التي تشير إلي أن بن سلمان سيقوم باستبعاده قريباً، حتى قبل ترشيحه لولاية العهد، ففي مارس/آذار 2015، اتخذ بن سلمان قراراً بشن حملة عسكرية على اليمن دون إبلاغ ابن عمه ]بن نايف[ والرجوع إليه، ثم بدأ بعدها بقطع أي تواصل بين بن نايف وأصدقائه الأمريكيين بصورة تدريجية.

 

سرعان ما تحول الوضع إلى الأسوأ خلال صيف 2015، عندما تحدث وزير الخارجية آنذاك عادل الجبير مع نظيره الأمريكي كيري حول محمد بن سلمان، حيث قال الجبير: «هو مستقبل المملكة»، لاحظ كيري أنها علامة للإطاحة بابن نايف، لكنه فضل أن يتجنب التورط في حرب الخلافة داخل السعودية.

 

في نفس الفترة تقريبًا، قام سعد الجابري، المساعد الرئيسي للأمير محمد بن نايف ورفيق رحلته لمدة 15 عامًا، بزيارة إلى البيت الأبيض لاطلاع الإدارة الأمريكية – التي كانت مولعة جدًا به – على تفاصيل تتعلق بالحرب في اليمن.

كان بن نايف ضد الحرب بشكل مباشر، وكان هذا الموقف هو كل ما تحتاجه حاشية محمد بن سلمان لاتهامه بالسعي لتشويه سمعة ابن الملك، وفي سبتمبر/أيلول من ذلك العام، تم إقالة الجبري دون إخبار بن نايف، ليُحرم الأخير من جهود أقرب مساعديه.

 

بعد بضعة أسابيع، كان بن نايف يستعد لاستقبال السفير الأمريكي في المملكة “جوزيف ويستفال” وعندما وصل إلى جدة قيل له إن محمد بن سلمان يريد مقابلته على وجه السرعة، وهو ما أحرج السفير وولي العهد آنذاك، كما أن بن سلمان استغرق وقت “ويستفال” حتى منعه في النهاية من الالتقاء بابن نايف، ليدرك البيت الأبيض حينها أن حربًا داخلية كانت تدور في البلاط الملكي.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت تنظر لابن نايف أنه هو الأفضل لتولي ولاية العرش، كان عليها أن تبحث عن طرق لتطوير علاقتها مع محمد بن سلمان تحسباً لما سيكون عليه المستقبل، وما ساعد في ذلك هو كثرة توافر الوفود الأمريكية إلى الرياض بناء على دعوات من الملك ونجله، ما أتاح فرصة لابن سلمان لتقوية علاقته معهم.

 

في إحدى المرات بعد اجتماع قصير مع الملك سلمان، التقى أحد الوفود الأمريكية، المكون من أعضاء بالكونغرس وأكاديميين، بالأمير محمد بن نايف، لكن الاجتماع انتهى بعد أقل من ساعة، ليلتقوا بعدها على الفور بمحمد بن سلمان الذي أكد على أهمية العلاقات الأمريكية السعودية وتعمق في قضايا مثل سوريا واليمن والعراق والصراع الإسرائيلي الفلسطيني والسياسة النفطية والإصلاح الديني.

خلال ذلك اللقاء الذي استمر أكثر من ساعتين، أقر محمد بن سلمان بأن المملكة العربية السعودية بحاجة إلى تحسين صورتها في الغرب، لكنه أعرب عن ثقته في أن الإصلاحات التي خطط لها ستنجح، ثم فاجأ ضيوفه بقوله “إسرائيل ليست عدواً للسعودية”، ليكون هذا التصريح علامة فارقة في مستقبل بن سلمان مع الأمريكيين.

 

في يناير/كانون الثاني 2017، تولى دونالد ترامب منصبه كرئيس للولايات المتحدة، وسرعان ما أصبح صهره ومستشاره الخاص غاريد كوشنر صديقًا لمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد، وكانت الرحلة الخارجية الأولى لترامب إلى السعودية، واللافت للنظر أن هذه الرحلة لم تتضمن أي لقاء رسمي مع بن نايف.

وفي نهاية الشهر، أرسل محمد بن سلمان -سرا- مبعوثا إلى واشنطن أعلن لمسؤولي إدارة ترامب أن رئيسه [بن سلمان] يستعد للإطاحة بمحمد نايف.

 

في مساء يوم 20 يونيو/حزيران 2017، تلقى نايف اتصالاً باستدعائه للقصر الملكي، بمجرد وصوله، تم احتجاز حراسه في الخارج ونزع سلاحه، وقيل له أن الملك يريد التحدث معه على انفراد، وقبل منتصف الليل بقليل، أثناء انتظاره في غرفة الجلوس، أدرك “الضيف” أنه رهن الاحتجاز

 

في تلك الأثناء، اتصل مكتب محمد بن سلمان بأعضاء هيئة البيعة، قيل لهم: “يود الملك أن يصبح ابنه ولياً للعهد… ما هو رأيكم؟”، بالطبع جاءت الموافقة بالأغلبية، أما مصير أولئك الذين تجرأوا على معارضة تفضيل الملك ظل غير واضح في تلك المرحلة الزمنية، وبعد فترة وجيزة للغاية تم تعيين محمد بن سلمان وليًا للعهد، حيث صوت 31 من أصل 34 عضوًا لصالحه.

 

قام مبعوث بإبلاغ بن نايف بالخبر، وسلمه خطاب استقالة ليوقعه، وبحسب شخص مقرب من محمد بن نايف، “شعر بالرعب” ورفض التوقيع على الخطاب، واستمر رفضه لعدة ساعات تناوب خلالها أنصار منافسه على زيارته في غرفة الجلوس لإرغامه على التوقيع.

هدد البعض بتسريب معلومات حول إدمانه على مسكنات الألم للجمهور، بينما جعله آخرون يستمع إلى تسجيلات الأمراء الآخرين الذين دعموا محمد بن سلمان، بل سألهم أحدهم عما إذا كان يرغب في مغادرة القصر قطعة واحدة، في تهديد واضح بقتله وتقطيعه، ليستسلم أخيراً تحت تلك التهديدات وحفاظاً على استقرار المملكة، على شرط أن يقدم استقالته شفهياً.

 

 

تم تعيين محمد بن سلمان، 31 عامًا، وليًا للعهد بمرسوم من الملك سلمان، كما أصبح نائب رئيس الوزراء وسيحتفظ بمنصبه كوزير للدفاع، وفي أعقاب الإعلان، أقيل بن نايف من جميع المناصب التي شغلها، بما في ذلك منصب وزير الداخلية، وظل قيد الإقامة الجبرية في قصره، لتنتهي حياته السياسية بعد الضربة القاضية التي تلقاها في مارس/آذار 2020 بعد اتهامه بالتخطيط للانقلاب على الملك، ما أسفر عن اعتقاله، وأصبح مصيره مجهولاً حتى الآن.

 

كان لمحمد بن زايد دور كبير في مساعدة بن سلمان على إنجاح مخططه للانقلاب على ابن عمه وولي العهد السعودي السابق محمد بن نايف، حيث استطاع أن يطويه تحت جناحيه مقابل أن يدعم خطاه للوصول لولاية العهد.

 

خلال مأدبة غداء في قصره في فرجينيا، قال بن زايد ذات مرة للعديد من المسؤولين الأمريكيين: “أنتم تعلمون جيداً لماذا لا يمكن أن يكون نايف ملكًا… لن يقبله السعوديون كما لن نقبله نحن.. لا يمكن أن يكون ملكًا، ولن يكون”.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا

اقرأ المزيد:  لوريان لوجور: الحوار بين واشنطن وطهران صعب لهذه الأسباب