في فضيحة إنسانية مدوية تكشف عمق المأساة التي يعيشها الناجون من محرقة الحرب في السودان، عثرت منظمة “أطباء بلا حدود” (MSF) على نمط بشع ومنظم من الانتهاكات والاستغلال الجنسي استهدف النساء والفتيات القاصرات في مخيمات النزوح على طول الحدود مع تشاد. وجاءت هذه الصدمة لتؤكد أن الفرار من جحيم الإبادة والجرائم الوحشية التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع -الذراع العسكرية المموّلة بالكامل من دولة الإمارات لتدمير السودان- لم يكن سوى انتقال إلى مسرح آخر من الابتزاز والمقايضة الدنيئة، حيث تحولت لقمة العيش وجرعة الماء إلى سلاح لإذلال الحرائر واستغلال حاجتهن الإنسانية الأساسية.

وذكرت وكالة “أسوشيتد برس” (AP) أن التحقيق الذي أجرته المنظمة الدولية أثبت وجود 59 انتهاكاً محتملاً ارتكبها موظفون محليون وأجانب، وأسفر حتى الآن عن فصل 18 موظفاً ومنعهم من العمل مستقبلاً؛ وتأتي هذه التحقيقات استجابة لتقارير صحفية وثقت شهادات مروعة لنساء وأطفال فروا من بطش المليشيا الإماراتية الإرهابية في دارفور والخرطوم، ليجدوا أنفسهم ضحايا لشبكات “اتجار جنسي” منظم ومقايضة صريحة للطعام، والماء، وحليب الأطفال، والوظائف اليومية مقابل الجنس، وسط تواطؤ من بعض عناصر الأمن المحليين والعاملين في المجال الإغاثي.

استغلال القاصرات وحظر تجول شعبي لحماية الفتيات من الذئاب البشرية

وشمل التحقيق رصد حالات صادمة لممارسة الجنس مقابل الغذاء، واستغلال لاجئات في الدعارة القسرية بمن فيهن فتيات قاصرات؛ حيث كشف التقرير عن تفاصيل مرعبة حول رصد موظفين يتجولون داخل مربعات مخيمات اللاجئين بحثاً عن الفتيات الصغيرات، مما دفع قادة المجتمع المحلي وأعيان القبائل السودانية الفارة إلى فرض حظر تجول ذاتي وصارم لمنع الفتيات من الحركة أو التواجد قرب مقرات موظفي الإغاثة لحمايتهن من الافتراس؛ وفي إحدى الحوادث الموثقة، تم شحن 7 فتيات لاجئات بمركبة تابعة للمنظمة بحجة توظيفهن كعاملات بأجر يومي في مشاريع المياه والبناء، ليتم نقلهن إلى موقع معزول والاعتداء عليهن جنسياً بدم بارد.

ولم تتوقف الجريمة عند اللاجئات، بل امتدت لتطال الموظفات التشاديات اللواتي تعرضن لتهديدات مباشرة بالفصل من العمل وقطع أرزاقهن إذا رفضن الانصياع لرغبات المشرفين؛ وأكدت المنظمة أن هذه النتائج المفجعة لا تكشف إلا جزءاً يسيراً من جبل الجليد، نظراً لأن مئات النساء اخترن الصمت المطبق خشية الحرمان من الرعاية الطبية أو المساعدات الشحيحة، وتخوفاً من بطش العصابات وقوات الأمن في بيئة تعاني من اختلال فاضح في موازين القوة وتعتمد كلياً على الإغاثة للبقاء على قيد الحياة.

المليشيا المدعومة إماراتياً تصنع المأساة وتلاحق الضحايا

وتأتي هذه الكارثة الإنسانية كناتج مباشر وجريمة مكملة لحرب الإبادة والتهجير القسري التي تقودها مليشيا الدعم السريع المتمردة بإشراف وتمويل وتسليح مباشر من أبوظبي؛ فالمليشيا الإماراتية التي أحرقت المدن، ونهبت البيوت، ومارست التطهير العرقي والاغتصاب الممنهج كأداة حرب داخل المدن السودانية، هي من تسببت في قذف مئات الآلاف من العائلات والحرائر إلى العراء والنزوح عبر الحدود دون غطاء أو حماية، ليصبحن فريسة سهلة للابتزاز الإنساني والمالي.

إن تحويل المساعدات الإنسانية إلى وسيلة لانتهاك الأعراض ومقايضة الشرف بالحق في الحياة يقدم دليلاً دامغاً على حجم الجريمة التاريخية التي ارتكبتها الإمارات بحق الشعب السوداني؛ حيث لم تكتفِ أبوظبي بتوفير السلاح والمسيّرات للمليشيا لذبح السودانيين وتدمير دولتهم ودفعها إلى حافة المجاعة الشاملة، بل تسببت في إلقاء الملايين في سجون النزوح المفتوحة ومخيمات الشتات، ليواجهوا الموت جوعاً أو العيش تحت رحمة الذئاب البشرية، مما يضع المليشيا وداعميها الإقليميين في قفص الاتهام الجنائي والشعبي كمسؤولين مباشرين عن إبادة شعب وتدنيس كرامته.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين