وثقت منظمة العفو الدولية ارتكاب ميليشيا الدعم السريع جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وتطهيرًا عرقيًا خلال حملتها للسيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في واحدة من أكثر فصول الحرب السودانية وحشية. التقرير الجديد لا يكتفي بتسجيل المذابح والانتهاكات، بل يعيد فتح السؤال الأهم: من موّل وسلّح ومكّن هذه الميليشيا من حصار مدينة كاملة، واستهداف المدنيين، وتدمير القرى، وارتكاب العنف الجنسي والقتل والتعذيب على هذا النطاق؟
بحسب أمنستي، ارتكبت ميليشيا الدعم السريع جرائم قتل وتعذيب واغتصاب واستعباد واستعباد جنسي، في إطار هجوم واسع ومنهجي ضد المدنيين، بما يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية. كما تعمدت الميليشيا استهداف الأطفال خلال الهجمات على الفاشر ومحيطها، تاركة عددًا لا يُحصى من الأطفال أيتامًا، ومئات الآلاف من المدنيين بين النزوح والموت والإصابة أثناء القصف أو الفرار.
سيطرت ميليشيا الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول، بعد حصار استمر 18 شهرًا. وكانت المدينة آخر معقل رئيسي للجيش السوداني في دارفور، قبل أن تتحول إلى مسرح لمجازر واسعة قُتل فيها عشرات الآلاف، وفق ما أوردته التقارير. وفي فبراير/شباط، خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن سيطرة الميليشيا على الفاشر حملت “سمات الإبادة” ضد المجتمعات غير العربية في دارفور.
استند تقرير أمنستي إلى مقابلات مع 247 شخصًا، بينهم 208 من الناجين من القتال في الفاشر والمناطق المحيطة بها، إضافة إلى تحليل وثائق ومقاطع فيديو وصور أقمار صناعية من شمال دارفور. وخلصت المنظمة إلى أن ميليشيا الدعم السريع ارتكبت جرائم حرب بين منتصف 2024 ونهاية 2025، وأنها استهدفت في كثير من الحالات مدنيين من جماعات غير عربية، مستخدمة لغة مهينة وتجريدية تنزع عن الضحايا إنسانيتهم، في نمط يكشف الطابع العرقي والمنهجي للهجمات.
وتؤكد أمنستي أن تدمير بلدات وقرى بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ومارس/آذار 2025، من بينها أبو زريقة التي تقطنها جماعات غير عربية، ينسجم مع نمط التطهير العرقي. لم تكن الهجمات مجرد أعمال عنف عشوائية في سياق الحرب، بل حملة منظمة لإفراغ مناطق بعينها من سكانها، وتدمير بنيتها الاجتماعية، ومعاقبة جماعات كاملة على أساس هويتها العرقية.
ونشرت أمنستي أسماء ثلاثة من قادة ميليشيا الدعم السريع قالت إنهم مسؤولون عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي: اللواء جيدو حمدان أحمد محمد، المعروف باسم “أبو شوك”، والمقدم عباس خاطر بخيت، والقائد الفاتح عبد الله إدريس، المعروف باسم “أبو لولو”. وتبرز أهمية تسمية هؤلاء في أنها تنقل الملف من توصيف الجرائم إلى تحديد المسؤولية الفردية، بما يفتح الباب أمام ملاحقات جنائية لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل يجب أن تمتد إلى من وفر لهم السلاح والمال والغطاء.
الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، قالت إن الحرب في السودان هي “حرب على المدنيين”، وإن العالم كان قد حُذر من الأهوال التي تنتظر سكان الفاشر بينما كانت ميليشيا الدعم السريع تحاصر المدينة. ووصفت ما حدث بأنه “وصمة على ضمير الإنسانية”، مطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، ونشر قوة دولية عاجلة لحماية المدنيين، وكسر دائرة الإفلات من العقاب.
لكن أي حديث عن جرائم الفاشر يبقى ناقصًا إذا تجاهل شبكة الدعم الخارجي التي غذّت ميليشيا الدعم السريع ومكّنتها من الاستمرار. فهذه الميليشيا لم تحاصر الفاشر وتقتحمها بموارد محلية فقط، بل استفادت من خطوط تمويل وتسليح ومرتزقة ودعم لوجستي عبر الإقليم، وفي مقدمة هذه الشبكات يظهر الدور الإماراتي الذي وثقته تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية متراكمة.
خلال الأشهر الماضية، كشفت تقارير دولية أن الإمارات لعبت دورًا مركزيًا في دعم ميليشيا الدعم السريع، عبر مسارات شملت شحنات سلاح وطائرات مسيرة ومعدات عسكرية وخطوط إمداد تمر عبر تشاد وليبيا وإثيوبيا، إضافة إلى استخدام واجهات إنسانية وطائرات مساعدات كغطاء لتحركات عسكرية. كما وثقت هيومن رايتس ووتش مسار مقاتلين كولومبيين جرى تجنيدهم عبر شركة مقرها الإمارات، ثم عبروا منشآت عسكرية إماراتية قبل نشرهم في السودان لدعم ميليشيا الدعم السريع.
هذا الدور الإماراتي يكتسب خطورته من أن الجرائم التي توثقها أمنستي لم تكن مفاجئة ولا خافية. فالفاشر كانت محاصرة لشهور طويلة، والتحذيرات الأممية والحقوقية من مجزرة قادمة كانت واضحة، ومع ذلك استمرت خطوط الإمداد التي منحت ميليشيا الدعم السريع القدرة على القصف والحصار والتقدم. لذلك فإن المسؤولية لا تقف عند من ارتكب الجريمة في الشوارع والقرى والمخيمات، بل تمتد إلى من جعل استمرار الجريمة ممكنًا.
كما تأتي نتائج أمنستي بعد أيام من تحركات قانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية تطالب بالتحقيق في دور مسؤولين إماراتيين وشبكات إقليمية في دعم جرائم دارفور. هذه التحركات تضع أبوظبي أمام مسار جديد من الضغط الدولي، ليس بوصفها طرفًا سياسيًا بعيدًا عن الحرب، بل بوصفها داعمًا محتملًا لميليشيا متهمة بجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي وجرائم تحمل سمات الإبادة.
الأخطر أن جرائم الفاشر ليست نهاية المطاف. فالنمط نفسه يتكرر اليوم في مناطق أخرى، مع تحذيرات دولية من احتمال انتقال سيناريو الفاشر إلى الأبيض ومناطق في كردفان. ميليشيا الدعم السريع التي حاصرت الفاشر، وارتكبت فيها القتل والتعذيب والعنف الجنسي والتطهير العرقي، تواصل التحرك في حرب تغذيها شبكات إقليمية ودولية ما زالت تراهن على القوة المسلحة بدل حماية المدنيين.
تقرير أمنستي يضع العالم أمام حقيقة واضحة: ما حدث في الفاشر لم يكن انهيارًا أمنيًا عابرًا، بل جريمة منظمة ضد المدنيين، نفذتها ميليشيا الدعم السريع ضمن حملة ذات طابع عرقي ومنهجي. لكن العدالة لن تكتمل بمحاسبة القادة الميدانيين وحدهم. يجب تتبع المال والسلاح والمرتزقة وخطوط الإمداد حتى مصادرها، ومحاسبة كل دولة وشبكة وشخص ساهم في تحويل دارفور إلى مسرح جديد للإبادة.
لقد دفعت الفاشر ثمن صمت العالم، وثمن تسليح الميليشيات، وثمن المصالح الإقليمية التي جعلت المدنيين وقودًا للحرب. واليوم، لا يكفي أن تصدر البيانات بعد وقوع المذبحة. المطلوب مسار محاسبة حقيقي يبدأ بميليشيا الدعم السريع، ويمتد إلى داعميها ومموليها، وفي مقدمتهم الإمارات التي تلاحقها الأدلة والتقارير والملفات القانونية بشأن دورها في إشعال واحدة من أفظع كوارث السودان.