في تحذير يعيد إلى الأذهان فصولًا دامية من تاريخ دارفور، دقّت منظمة “أطباء بلا حدود” ناقوس الخطر بشأن ما وصفته بـ”فظائع جماعية مستمرة” في ولاية شمال دارفور السودانية، خاصة في مدينة الفاشر ومخيم زمزم. المنظمة، التي أصدرت تقريرًا دامغًا بعنوان “محاصَرون وجوعى تحت وطأة الهجمات”، أطلقت نداءً دوليًا عاجلًا لوقف دوامة العنف التي وصفتها بـ”الممنهجة والمدفوعة باعتبارات عرقية”.

هجوم بري ونهب وقتل جماعي

يستند التقرير إلى شهادات مباشرة وبيانات ميدانية جمعتها فرق المنظمة خلال عام كامل، من أيار/مايو 2024 وحتى أيار/مايو 2025، في مناطق النزوح والدمار. ويكشف التقرير أن قوات الدعم السريع وحلفاءها شنّوا هجومًا بريًا واسعًا في نيسان/أبريل الماضي على مخيم زمزم، ما أدى إلى نزوح جماعي لما يقرب من 400 ألف شخص خلال أسابيع، في ظل حصار خانق ومشاهد مرعبة من النهب والقتل والعنف الجنسي.

هؤلاء الفارّون وجدوا أنفسهم لاحقًا محاصرين داخل الفاشر، بدون مياه أو غذاء أو رعاية طبية، في ظل استهداف مباشر للأسواق والبنية التحتية والمرافق الصحية. ومع عجز الوكالات الإنسانية عن دخول المدينة، باتت الكارثة مركّبة: عنف دموي ومجاعة جماعية وغياب تام للمساعدة الدولية.

 التطهير العرقي: نية معلنة لا تُردع

الأخطر في التقرير هو تأكيده على وجود نية مبيّتة لدى قوات الدعم السريع “لتطهير الفاشر من غير العرب”، وفق شهادات نقلها ناجون وشهود عيان. هذا النمط من الاستهداف العرقي يعيد إلى الأذهان مجازر قبيلة المساليت في غرب دارفور عام 2023، حين وثقت المنظمات الحقوقية أعمال قتل جماعي ذات طابع عرقي مروّع.

ما يجري في الفاشر اليوم يبدو كامتداد مباشر لهذا المسار، خاصة في ظل تواطؤ الصمت الدولي وتقاعس مؤسسات الأمم المتحدة عن اتخاذ موقف حازم يردع هذه الجرائم.

استهداف المساعدات و”عقاب جماعي” للمدنيين

منذ مايو 2024، تعرضت المرافق الصحية التي تديرها “أطباء بلا حدود” في الفاشر لسبعة اعتداءات، مما أجبر المنظمة على تعليق أنشطتها، تاركة مئات الآلاف دون رعاية طبية. حتى محاولات الهروب تحوّلت إلى مغامرة قاتلة، حيث تعرّض المدنيون على الطرقات لغارات جوية وقصف عشوائي من الجيش السوداني، ما فاقم المشهد الكارثي.

 انهيار كامل للإنسانية… هل يتكرر سيناريو رواندا؟

المنظمة حذّرت بوضوح من تكرار مآسي الماضي: “الناس لا يموتون فقط جوعًا أو قصفًا، بل يُستهدفون لكونهم ينتمون إلى قبيلة أو عرق بعينه”، بحسب مدير الطوارئ في المنظمة، ميشيل لاشاريتيه. وبينما تنشغل وسائل الإعلام العالمية بملفات سياسية أخرى، يغيب ملف دارفور عن الأجندة الدولية، وتُترك مئات الآلاف من الأرواح للمصير الأسود وحدها.

 نداء إلى العالم… قبل أن يفوت الأوان

في ختام تقريرها، دعت “أطباء بلا حدود” المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول الداعمة للأطراف المتحاربة، إلى التحرّك الفوري والضغط لوقف العنف وضمان دخول المساعدات. كما طالبت بفتح ممرات آمنة للمدنيين، ووقف الحصار المفروض على مدينة الفاشر.

لكن المنظمة كانت واقعية في تقييمها: وقف إطلاق النار الذي أُعلن محليًا يبقى حبراً على ورق، بينما الوقت ينفد، والمجازر مستمرة.

اقرأ أيضا: الإمارات تغذي المجاعات.. تقرير أممي يحذر: غزة والسودان وسوريا والصومال على شفا الكارثة