في قلب الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، برزت خلال الشهور الماضية ظاهرة جديدة قُدِّمت للفلسطينيين على أنها فرصة نجاة: برامج إجلاء إنساني إلى دول بعيدة، مقابل مبالغ مالية ضخمة، تعدُ بحياة آمنة بعيدًا عن الحرب. لكن ما كُشف لاحقًا من وثائق وتحقيقات صحفية يُظهر أن هذه النجاة لم تكن سوى واجهة مضلّلة لعملية تهجير منظمة، تُدار خيوطها من مكاتب وزارة الدفاع الإسرائيلية، وتُنفَّذ على الأرض عبر منظمة وهمية تحمل اسم المجد أوروبا وشركات طيران مستأجرة، لتتحول رحلات “الإنقاذ” إلى أدوات لتفريغ غزة من سكانها بصمت.

في مارس/آذار 2025، صادق المجلس الوزاري الأمني المصغّر في إسرائيل على مقترح تقدم به وزير الدفاع يسرائيل كاتس بإنشاء مكتب جديد داخل وزارة الدفاع تحت اسم “مكتب الهجرة الطوعية من غزة”. ظاهريًا، يقدَّم المكتب كجهاز يسهل للمقيمين في القطاع مغادرة “طوعية” إلى دول ثالثة. لكن السياق السياسي للمقترح يكشف ما هو أبعد من ذلك.

فالخطة التي وصفها كاتس بأنها “متوافقة مع رؤية الرئيس الأميركي” جاءت امتدادًا لأفكار طُرحت في واشنطن وتل أبيب منذ سنوات عن “تهجير” الفلسطينيين خارج غزة وتحويل القطاع إلى واجهة سياحية أو منطقة خاصة تحت السيطرة الإسرائيلية.

 الدول الإقليمية المستهدفة بأن تكون وجهة التهجير – من مصر والأردن إلى لبنان وسوريا ودول أفريقية – رفضت رسميًا استقبال لاجئين فلسطينيين من غزة، ،كذلك كان الموقف المعلن لدول متعددة حول العالم.

أمام انسداد المسار الرسمي، لجأت إسرائيل إلى “المسار الخلفي”. فوُضع مكتب الهجرة تحت إشراف مباشر لوزير الدفاع، وأسندت إليه مهمة تنسيق خروج الفلسطينيين عبر معبر كرم أبو سالم ومطار رامون، مع تخفيف القيود الأمنية إلى حد غير مسبوق، في إشارة إلى قرار سياسي بفتح الباب أمام تفريغ القطاع من ساكنيه. على الورق، الأمر “طوعي”، لكن في الواقع، بيئة الحرب والحصار والدمار هي التي تدفع الناس إلى بوابة الخروج.

وفق ما تم الكشف عنه فإن أول تجربة عملية تمت في أواخر مارس 2025، عندما غادرت دفعة أولى من سكان غزة – قرابة 70 شخصًا يحمل بعضهم جنسيات أجنبية أو تأشيرات دراسة وعلاج – عبر مطار رامون باتجاه أوروبا، وسائل إعلام إسرائيلية رُوّجت ذلك كإنجاز إنساني، بينما افتقدت العملية لأي شفافية بشأن الدول المضيفة، شروط الهجرة، أو مدى ضمان حق هؤلاء في العودة مستقبلًا.

https://www.israelhayom.com/2025/03/19/70-gazans-leave-for-europe/

“المجد أوروبا”: واجهة لعملية تهجير

بالتوازي مع عمل مكتب الهجرة الإسرائيلي، ظهرت على الإنترنت منظمة تحمل اسم “المجد أوروبا” تزعم أنها جمعية إنسانية مقرها ألمانيا ولها مكتب في حي الشيخ جراح بالقدس، وتعمل على “إغاثة المجتمعات المسلمة في مناطق النزاع”. الموقع يعرض صورًا لفريق عمل وقصصًا عن إجلاء لاجئين من سوريا وتركيا، ويفتح باب التسجيل للراغبين في مغادرة غزة عبر نموذج إلكتروني بسيط.

لكن بالبحث في سجلات ألمانيا والقدس فلا توجد أي جمعية مسجلة باسم “المجد أوروبا”. كما تبيّن أن اسم النطاق الإلكتروني للموقع سُجل في فبراير 2025، أي قبل أشهر فقط من بدء الرحلات، وأن روابط حسابات المنظمة على شبكات التواصل لا تقود إلى أي وجود حقيقي. حتى العنوان المعلن في الشيخ جراح اتضح أنه مجرد عنوان وهمي لا يوجد فيه مكتب أو لافتة.

الأخطر أن الموقع عرض قصصًا مفبركة؛ مثل قصة شابة سورية “أنقذتها المنظمة من طرابلس اللبنانية” واتضح أن صورتها مأخوذة من تقرير صحفي قديم لصحيفة أخرى عن سيدة مختلفة تمامًا. الأمر ذاته تكرر مع صور فريق العمل التي تشير تحليلات تقنية إلى أنها منتجة عبر برامج الذكاء الاصطناعي.

من يقف خلف هذه الواجهة؟ خيوطًا تقنية وقانونية قادت إلى شركة استشارية مسجلة في إستونيا باسم “Talent Globus” يملكها شخص يدعى تومر جانار ليند – إسرائيلي–إستوني ولد عام 1989 ومسجل في سجلات الشركات البريطانية مالكًا لعدة شركات توقفت لاحقًا. نسخة أقدم من موقع “المجد أوروبا” كانت تحمل شعار “Talent Globus” وتذكر أن الشركة هي من تنظم “الهجرة الطوعية من غزة”. ليند نفسه يذكر في حسابه على “لينكدإن” أنه يساعد “سكان غزة” على الخروج، ويدعي أنه أنشأ شركة استشارية جديدة في دبي – برقم هاتف تبيّن أنه غير صحيح عند الاتصال به.

صحيفة “هآرتس” قالت في أحد تقاريرها أنها تواصلت مع ليند على الهاتف في لندن، وذكرت أنه لم يُنكر صلته بتنظيم رحلات خروج الفلسطينيين من غزة، لكنه رفض الإفصاح عن الجهات التي تقف وراءه، مكتفيًا بجملة: “لا أريد التعليق الآن… ربما لاحقًا”. ما كشفته الصحيفة لاحقًا كان أكثر حساسية: مكتب الهجرة الطوعية في وزارة الدفاع هو من أحال “المجد أوروبا” إلى منسق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلة (كوغات) لتنسيق خروج الفلسطينيين عبر الجيش. بمعنى آخر، “المجد” ليست أكثر من قناع مدني لعملية تهجير تديرها مؤسسات إسرائيلية رسمية.

من إعلان عابر إلى قرار مصيري: كيف صُمّم مناخٌ اجتماعي يدفع الغزيّ إلى الطائرة

لم يبدأ الطريق إلى الطائرة المستأجرة من استمارة إلكترونية كما قد يبدو، بل من مناخ اجتماعي مكتمل الأركان جرى بناؤه بعناية. فقبل أن يصل إعلان “المجد أوروبا” إلى مجموعات فيسبوك وتيليغرام داخل غزة، كانت الفكرة قد وجِدت لنفسها أرضًا مهيأة بفعل الحرب: أصوات محليّة مؤثرة تشجع على الهجرة، بثوث مباشرة تتحدث عن “الحياة المستحيلة”، ومقاطع شبابية تقدّم الخروج كخلاص فردي لا كخطر جماعي. هذا الخطاب النفسي، الذي رافقته عشرات شهادات اليأس، جعل الإعلان لا يبدو غريبًا، بل بدا لكثيرين امتدادًا منطقيًا للحالة المعيشية.

ضمن هذا المناخ، بدأ رابط “المجد أوروبا” ينتشر كفرصة أخيرة للهروب، لا كخدعة. فالموقع كان يصل مرفقًا بتوصيات من أشخاص “جربوا الطريق”، أو من حسابات فلسطينية معروفة أعادت نشره دون تمحيص، مما أضفى عليه مظهرًا من الشرعية. وهكذا وجد كثيرون أنفسهم يتعاملون مع شركة مجهولة بنفس الثقة التي يتعاملون بها مع مؤسسة معروفة.

على رأس هذه الظاهرة برز اسم معتز العزازية، أحد صانعي المحتوى في غزة. فبين بثّ مباشر وآخر، كان العزازية يكرر رسائله التي تُمجّد “الفرصة” في الخارج، وتحطّم أي أمل بإمكان العيش داخل القطاع. وبشكل غير مباشر، أصبح المحتوى الذي ينتجه جزءًا من حملة نفسية تُضعف مقاومة المجتمع لفكرة الخروج، وتُنضج البيئة التي تحتاجها شبكات التهجير كي تبدو عروضها طبيعية أو معقولة.

كما كان من اللافت أن موقع منظمة المجد أوربا أظهر اسم أحد الغزيين مؤيد صيدم—لاعب كمال أجسام من غزة— كأحد المسؤولين عن المؤسسة،  صيدم نشر صورته أمام طائرة وهو يغادر القطاع معلنًا “غادرت غزة ولن أعود”. ثم اختفى تماما حتي عاد مجددا قبل أيام في منشور يحذّر فيه من “محتالين ينتحلون اسمه” لكنه لم ينفِ إطلاقًا علاقته بملف الهجرة، بل اكتفى بنشر رقم يتواصل الناس من خلاله معه. هذا النوع من الخطاب—المشحون بإيحاءات الهجرة، الخلاص، الفرصة، الباب الذي يجب ألا يُفوّت—عزّز لدى كثيرين القناعة بأن “الطريق مفتوح”، وأن الهجرة خيار شائع ومعيشي، لا خطوة محفوفة بالمخاطر.

بعد تعبئة الاستمارة، تأتي الرسالة الحاسمة: رسالة واتساب من رقم إسرائيلي، تُخبر المتقدم بأن اسمه “مقبول”، وأن المطلوب فقط هو تحويل الرسوم—بين 1500 و2700 دولار، وصلت في بعض الحالات إلى خمسة آلاف—عبر حسابات خاصة أو عبر وسطاء ماليين. الخطوة التي كان يمكن أن تثير الشك عند أي شخص في ظروف طبيعية، بدت في ظل حالة اليأس السائدة معقولة وممكنة، خاصةً مع انتشار شهادات مفبركة عن عائلات “وصلت بسلام”.

بهذا الأسلوب، لم تكن “المجد أوروبا” تعتمد فقط على الإعلانات، بل على بيئة نفسية واجتماعية صُنعت لتقبل الفكرة مسبقًا: بيئة تجعل الغزيّ يشعر بأن الهروب ليس خيانة، بل قدرٌ فرضته الحرب. وفي اللحظة التي يصبح فيها الخروج “طبيعيًا”، يتحوّل الاحتيال إلى قرار… والقرار إلى رحلة بلا عودة، بعد التسجيل، يتلقى المتقدم رسالة عبر واتساب من رقم إسرائيلي يعلمه بالموافقة المبدئية، ثم يطلب منه تحويل المبلغ إلى حساب شخصي أو عبر وسطاء ماليين.

ما إن تُحوّل الأموال، من المفترض أن تُضاف العائلة إلى مجموعة واتساب خاصة بعنوان “مجموعة المغادرين”، حيث يتم مشاركة التحديثات. وبالطبع فهناك شهادات من العديد من العائلات أنهم قاموا بالدفع ثم اختفى الرقم الذي يتواصلون معه نهائيا، لكن من يتم إكمال التواصل معه، تصل له رسالة تحدد مكانًا داخل غزة للتجمع في ساعة معينة، مع التشديد على عدم حمل سوى حقيبة يد صغيرة، وترك بقية الأمتعة.

 في ساعات الفجر، تصل حافلات تحمل لوحات إسرائيلية إلى نقطة التجمع بعد تنسيق مسبق عبر معبر كرم أبو سالم، لينقل الجنود الركاب إلى داخل إسرائيل. هناك يخضعون لتفتيش أمني سريع، ثم تُنقل الحافلات إلى مطار رامون قرب إيلات، حيث تكون طائرة مستأجرة تنتظرهم.

اللافت أن الإجراءات تجري كلها في ممرات خاصة، بعيدًا عن أنظار المسافرين العاديين، ودون أي تعامل مع شرطة الحدود المدنية. جوازات السفر لا تُختم بختم مغادرة من إسرائيل؛ فهي – من الناحية الرسمية – لم تسجل خروج هؤلاء من الأراضي التي تسيطر عليها، ما يجعل وضعهم القانوني في الدول التي يصلونها لاحقًا هشًّا للغاية.

في 27 مايو/أيار 2025، أقلعت أول طائرة مستأجرة تقل 57 فلسطينيًا من غزة عبر رامون على متن شركة “فلاي ليلي” الرومانية متجهة إلى بودابست. من هناك، جرى توزيع الركاب في رحلات أخرى نحو إندونيسيا وماليزيا.

 في 27 أكتوبر/تشرين الأول، تكرر السيناريو مع مجموعة أكبر تجاوزت 150 فردًا، استخدمت هذه المرة شركة “Fly Yo” إلى نيروبي، ثم شركة “Global Airways/Lift” إلى جوهانسبرغ. شركات الطيران أكدت لاحقًا أنها تعاملت مع وكلاء سفر إسرائيليين قدموا لها قوائم الركاب وأخبروها بأنهم “سياح سيبقون أقل من 90 يومًا”، وبالتالي لا يحتاجون تأشيرات دخول مسبقة.

جوهانسبرغ: حين انكشف المستور

الحدث الذي أخرج القصة من الظل إلى العلن كان رحلة 13 نوفمبر/تشرين الثاني إلى جوهانسبرغ. صباح ذلك اليوم، هبطت طائرة مستأجرة قادمة من نيروبي في مطار OR Tambo الدولي، وعلى متنها 153 فلسطينيًا من غزة.

 لم يكن لدى سلطات الهجرة في جنوب أفريقيا أي بلاغ مسبق عن هذه الرحلة. عند فحص جوازات الركاب، اكتشفت أن معظمها لا يحمل أي ختم خروج من إسرائيل، ولا يحمل أصحابها تأشيرات دخول أو حجوزات فندقية أو خطط إقامة.

روايات الركاب تحدثت عن “رحلة عذاب” استمرت يومين، من غزة إلى نيروبي إلى جوهانسبرغ، دون أن يعرفوا على وجه اليقين إلى أي بلد سينتهون. كثيرون قالوا إنهم اكتشفوا أنهم في جنوب أفريقيا فقط بعد أن أعلنت الطائرة هبوطها النهائي.

بعد ذلك تدخلت منظمة “Gift of the Givers” الخيرية الأكبر في البلاد، متعهدة باستقبال الفلسطينيين ورعايتهم. عندها قرر الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا، بحسب بيان رسمي، السماح بدخولهم “استثناءً إنسانيًا”، مع منحهم إذن إقامة مؤقتة لمدة 90 يومًا، وفتح تحقيق رسمي في كيفية وصولهم إلى البلاد دون تنسيق.

مع انتشار تفاصيل رحلة جوهانسبرغ، بدا أن المخطط كله يسير نحو الانكشاف، المنظمة الوهمية التي دبرت خروج المسافرين “تخلّت عن الركاب فور وصولهم”، وتركتهم لمصيرهم، فيما يشبه جرائم الاتجار بالبشر. شهادات الركاب أنفسهم دعمت هذه الرواية؛ إذ تحدث لؤي أبو سيف عن انقطاع تام في التواصل مع ممثلي “المجد” بمجرد وصول الطائرة إلى نيروبي ثم جوهانسبرغ.

ما تكشفه قصة “المجد أوروبا” ومطار رامون وجوهانسبرغ هو أن التهجير القسري لا يأتي دائمًا على شكل طرد جماعي تحت تهديد السلاح. يمكن أن يكون التهجير “طوعيًا” على الورق، لكنه في الحقيقة ثمرة حصار وتجويع وقصف يضع الإنسان أمام خيارين: البقاء تحت القصف أو شراء تذكرة إلى المجهول.

يمكن أن يجري عبر شركات تحمل أسماء إنسانية، لكنّ من يقف خلفها هو مكتب حكومي في وزارة الدفاع. ويمكن أن يمر عبر مطار مجهّز وموافقات أمنية كاملة، لكن دون أي ختم على جواز السفر يضمن حق العودة.

في هذه الحرب الطويلة على غزة، لا يقتصر سلاح الاحتلال على القنابل والرصاص. ثمة أدوات أخرى أكثر خطورة: التهجير الصامت. وما لم يتم التعامل مع ظاهرة “الإجلاء الإنساني” بوصفها جزءًا من هذه الحرب، وليس مجرد مبادرات فردية، فإن تجارب مثل رحلة جوهانسبرغ لن تكون الأخيرة. وكل فلسطيني يُدفع خارج أرضه بالضغط أو الخديعة، دون ضمان حق العودة، هو ضحية جريمة ضد الإنسانية.