كشف متعقب ڤيستا للقصف الجوي (VAT) أن القوات المسلحة السودانية نفذت خمس ضربات جوية قوية اليوم السبت، استهدفت إمدادات مليشيا الدعم السريع الإرهابية القادمة من الإمارات عبر الأراضي الليبية، في واحدة من أكثر العمليات الجوية دقة منذ بداية الحرب.
وبحسب بيانات الرصد، فقد تركزت الضربات على خط الإمداد الممتد من الجنوب الليبي نحو دارفور، وهو المسار الذي تستخدمه المليشيا منذ شهور لتلقي الدعم اللوجستي والذخائر والعربات العسكرية القادمة من الجسر الجوي الإماراتي إلى ليبيا، ومنها برًا إلى السودان.
وأكدت مصادر “ڤيستا” أن خمسة حرائق ضخمة رُصدت على طول هذا الخط عقب تنفيذ الضربات، الأمر الذي يشير إلى أن القصف أصاب أهدافًا استراتيجية تتعلق بتخزين أو نقل الإمدادات. وأوضح التقرير أن الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية أظهرت الحريق الأول كأكبرها، مرجّحًا أنه ناتج عن استهداف قافلة شاحنات محمّلة بالعتاد العسكري، في حين توزعت الحرائق الأربعة الأخرى على مناطق متفرقة على امتداد الطريق الحدودي بين ليبيا ودارفور.![]()
تحليل البيانات الميدانية: فرض حظر فعلي على الإمدادات
بيانات مرصد الحرائق المرفقة مع تقرير “ڤيستا” (الصور 2–5) أظهرت أن الحرائق لم تكن عشوائية، بل تركزت في نقاط عبور محددة تُستخدم منذ أشهر من قبل شبكات الدعم اللوجستي التابعة لقوات الدعم السريع، وهو ما يفسر دقة الاستهداف وتزامن الانفجارات في أكثر من موقع. كما أشار المرصد إلى حريق خامس جنوب الخط لم تتوفر له صور حديثة بسبب ضعف الغطاء السحابي في المنطقة.
هذه التطورات تعني أن القوات الجوية السودانية نجحت في قطع أو تعطيل الإمداد البري الحيوي الذي يربط مليشيا الدعم السريع بالعمق الليبي، ما يفرض فعليًا حظرًا ميدانيًا على حركة الإمدادات القادمة من الإمارات، التي تُتهم على نطاق واسع بتمويل وتسليح المليشيا عبر قنوات غير رسمية.
وتأتي هذه الضربات بعد رصد مكثف للطيران المسير الإماراتي في قاعدة الخادم الليبية الواقعة شرقي البلاد، والتي تُستخدم منذ سنوات في عمليات نقل العتاد إلى مجموعات مسلحة في المنطقة. وبحسب تقارير استخباراتية غربية، فإن الجسر الجوي الإماراتي نحو ليبيا عاد إلى النشاط مجددًا منذ منتصف أكتوبر الماضي، في إطار مساعٍ لإعادة تزويد قوات الدعم السريع بالمركبات المدرعة والطائرات المسيّرة وقطع الغيار.
سياق أوسع: تصعيد ميداني ورسائل سياسية
تُعد هذه العملية الجديدة ضمن سلسلة من ثماني ضربات جوية نفذتها القوات المسلحة السودانية خلال الأيام الأربعة الماضية، بحسب إحصاءات متعقب “ڤيستا”.
ويرى محللون أن تكثيف الغارات الجوية يشير إلى تحوّل نوعي في استراتيجية الجيش السوداني، من الدفاع في المدن الكبرى مثل الفاشر والأبيض إلى استهداف خطوط الإمداد الخارجية، وهي خطوة تهدف إلى خنق الدعم اللوجستي للمليشيا وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها.
في المقابل، يواجه الجيش السوداني تحديات ميدانية في بعض مناطق دارفور حيث لا تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بموطئ قدم، مستفيدة من الإمدادات العابرة للحدود ومن الدعم الفني والاستخباراتي الذي توفره أطراف خارجية.
ويرى مراقبون أن الإمارات أصبحت في مرمى الاتهامات الدولية بعد تصاعد الأدلة التي تربطها بتحويلات مالية وتسليحية لصالح قوات الدعم السريع، رغم نفيها المتكرر لأي تدخل مباشر في الصراع السوداني.
انعكاسات محتملة: نهاية الجسر الإماراتي نحو دارفور
من شأن نجاح هذه الضربات أن يغيّر ميزان القوى الميداني في السودان خلال الأسابيع المقبلة، خاصة إذا تمكن الجيش من الحفاظ على تفوقه الجوي وقطع طريق الإمداد الليبي بشكل كامل.
ويرى خبراء أن “الضربات الثماني خلال أربعة أيام” تعكس قدرة استخباراتية متقدمة في تعقب التحركات الميدانية للمليشيا عبر الأقمار الصناعية ومسيرات المراقبة، بالتعاون مع وحدات الاستطلاع الميدانية.
ويرجّح محللون عسكريون أن الجيش السوداني يرسل عبر هذه الضربات رسائل سياسية للإمارات والدول الداعمة للمليشيا مفادها أن أي تدخل خارجي سيُواجه بالقوة، وأن السودان لن يقبل بفرض واقع ميداني جديد في دارفور عبر تسليح غير مشروع.
وفي المقابل، يخشى مراقبون أن تدفع هذه التطورات الإمارات إلى مضاعفة تحركاتها السرية عبر وسطاء ليبيين، مستفيدة من هشاشة الحدود وامتداد الصحراء المفتوحة بين ليبيا والسودان، وهو ما قد يُبقي الصراع مفتوحًا على مزيد من التصعيد.
خاتمة: رسائل نارية في صراعٍ إقليمي متشابك
تسلّط تقارير “ڤيستا” الضوء على التحوّل في مسار الحرب السودانية من مواجهة داخلية إلى صراع إقليمي متشابك تتداخل فيه مصالح قوى إقليمية ودولية.
فالضربات الأخيرة لا تقتصر على بعدها العسكري فحسب، بل تحمل رسالة سياسية واضحة للإمارات بأن تدخلها في الساحة السودانية أصبح مكشوفًا ومكلفًا.
وفي الوقت نفسه، تُظهر أن الجيش السوداني بدأ يعيد بناء قدراته الجوية والاستخباراتية بعد شهور من الدفاع في الميدان، وأنه بات يعتمد على منهج الاستهداف الدقيق بدل المواجهات المباشرة.
وبينما تبقى دارفور ساحة معقدة ومفتوحة لكل الاحتمالات، فإن المعطيات الحالية تؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد صراعًا على خطوط الإمداد أكثر من المدن، وأن كل غارة جديدة قد تُعيد رسم خريطة الحرب التي تجاوزت حدود السودان لتصبح حربًا على النفوذ الإقليمي بغطاء ليبي وتمويل إماراتي.
اقرأ أيضًا : جرائم الاحتلال تحت الأرض.. سجن إسرائيلي سرّي يحتجز فلسطينيين بلا ضوء ولا هواء