في خضم تصاعد التوترات داخل قطاع غزة، تجد الجهات الوسيطة الإقليمية والدولية نفسها أمام اختبار جديد، بعد أن دعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هذه الأطراف — وعلى رأسها قطر ومصر والإدارة الأميركية — إلى التدخل العاجل لوقف الخروقات المتزايدة التي ترتكبها إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، وللضغط على تل أبيب لكشف ما وصفته بـ”هوية المسلح المزعوم” الذي تدّعي إسرائيل أن الحركة أرسلته لمهاجمة قواتها.

الدعوة جاءت على خلفية موجة غارات كثيفة شنّتها قوات الاحتلال صباح السبت، وأسفرت — وفق مصادر طبية — عن استشهاد 23 فلسطينيا على الأقل وجرح العشرات، ليرتفع عدد الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى 340 شهيدا.

محاولة فرض رواية جديدة؟

القيادي في الحركة عزّت الرشق قال بوضوح إن إسرائيل “تختلق الذرائع للتهرب من الاتفاق والعودة إلى حرب الإبادة”، مؤكداً أن تذرّعها بوجود “مسلح حمساوي” في منطقة يسيطر عليها الجيش ليس سوى محاولة لإعادة فتح أبواب العمليات العسكرية.

وقال الرشق:

“نطالب الوسطاء والإدارة الأميركية بالضغط على إسرائيل لكشف هوية المسلح الذي تدّعي أن حماس قد أرسلته.”

وأكد في الوقت نفسه أن الحركة لم تُبلغ المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بانتهاء الاتفاق، نافياً الرواية الإسرائيلية التي حاولت تصوير حماس كمنسحبة من الالتزامات.

خروقات ممنهجة للاتفاق

في بيان أصدرته الحركة، أكدت حماس أن إسرائيل تخرق الاتفاق بصورة يومية ومنهجية، مشيرة إلى أن:

  • جيش الاحتلال يزيل الخط الأصفر ويتقدم غرباً داخل مناطق يفترض الانسحاب منها،

  • القصف الجوي والمدفعي يتواصل على مناطق الشرق،

  • النزوح الجماعي للفلسطينيين يعود للواجهة من جديد،

  • مئات الشهداء سقطوا نتيجة هذه الخروقات منذ بدء الاتفاق.

وقالت الحركة إن استمرار الاحتلال في تغيير خرائط الانسحاب يمثل “انتهاكاً فاضحاً” لما تم التوافق عليه مع الوسطاء.

وأضافت:

“نرفض محاولات حكومة مجرم الحرب نتنياهو فرض أمر واقع جديد، ونطالب الوسطاء بالتدخل العاجل وإلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته.”

الخارجية الفلسطينية: العدوان يقوّض فرص السلام

من جهتها، دعت وزارة الخارجية الفلسطينية إلى تعبئة دبلوماسية عاجلة لمواجهة ما وصفته بـ”المجازر المتواصلة” التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين.

وقالت الوزارة في بيان إن العدوان الأخير “يشكل خرقاً فاضحاً للجهود الدولية الساعية لتثبيت السلام”، معتبرة أن إسرائيل — تحت حكومة اليمين المتطرف — تعمل بشكل واضح على تقويض أي أفق سياسي.

وطالبت الخارجية مجلس الأمن الدولي بتنفيذ قراره الأخير 2803 القاضي بإنهاء الحرب على غزة، والذي تم اعتماده قبل أيام، مشيرة إلى أن صمت المجتمع الدولي يشجع إسرائيل على التمادي.

الرواية الإسرائيلية: “هجوم حمساوي” يبرر الغارات

في المقابل، ادّعى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن حماس خرقت وقف إطلاق النار بإرسال “مسلح” إلى منطقة يسيطر عليها الجيش داخل غزة لتنفيذ هجوم، وهو ما حاولت تل أبيب استخدامه كمنصة لتبرير الضربات الجوية الأخيرة.

كما قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن غارة استهدفت حي الرمال وقتلت — بحسب زعمها — مسؤول قسم التسلح في كتائب القسام، مشيرة إلى أن العملية تمت بالتنسيق مع مركز أميركي في كريات غات يراقب الالتزام بوقف إطلاق النار.

لكن هذه الرواية تثير أسئلة كبيرة أمام الوسطاء، خصوصاً أن إسرائيل لم تكشف هوية المسلح المزعوم ولم تقدم أي دليل علني يدعم اتهامها، ما يعزز الشكوك الفلسطينية بأن ما جرى ليس إلا ذريعة مسبقة لجولة جديدة من التصعيد.

الوسطاء في موقف حرج

تضع هذه التطورات الوسطاء — خصوصاً قطر ومصر والولايات المتحدة — أمام مسؤولية ثقيلة لضمان التزام الجانبين بالاتفاق. فحماس تعتبر أن إسرائيل هي الطرف الذي ينتهك الاتفاق بشكل يومي، فيما تحاول تل أبيب تقديم نفسها كطرف “يرد على خرق حمساوي”.

وفي ظل هذا التناقض الواضح في السرديات، تبدو الأطراف الوسيطة مطالبة بما يلي:

  1. التحقق من المزاعم الإسرائيلية بشأن المسلح المزعوم،

  2. إلزام إسرائيل بوقف الغارات وتجميد التحركات الميدانية المخالفة للخرائط,

  3. تثبيت خطوط الانسحاب ومنع فرض واقع جديد على الأرض,

  4. ضمان استمرار تدفق المساعدات ووقف النزوح الجماعي الذي عاد من جديد مع الغارات الأخيرة.

ومع بروز بوادر انفجار جديد في القطاع، تبدو موثوقية الاتفاق على المحك، خصوصاً أن عدد الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار بات أعلى من أي فترة تهدئة سابقة.

خاتمة: الدور الحاسم للوسطاء

في ضوء هذا المشهد، تتحول قضية “المسلح المزعوم” إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الوسطاء والإدارة الأميركية على فرض الانضباط على إسرائيل، التي تمضي — وفق مراقبين — نحو تفريغ الاتفاق من محتواه عبر تكتيكات ميدانية وخروقات مدروسة.

ومع ارتفاع عدد الشهداء وتفاقم النزوح، يتساءل الفلسطينيون اليوم:

هل سيتحرك الوسطاء لوقف الانهيار؟

أم سيُترك الاتفاق لمصير يشبه كل التفاهمات التي سبقت في تاريخ غزة؟

يبقى الجواب مرهوناً بالقدرة الدولية على كبح اندفاعة الاحتلال، وكشف الحقيقة الكاملة وراء الذريعة التي تستند إليها تل أبيب في قصفها الجديد.

اقرأ أيضًا : بعد تراشق علني.. ترامب يشيد بعمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني