في واحدة من أفظع الشهادات الحقوقية منذ بدء الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، كشف تحقيق موسع أجرته صحيفة الغارديان البريطانية وموقع +972 العبري، بالتعاون مع منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان (PHRI) داخل دولة الاحتلال، عن استشهاد 98 معتقلاً فلسطينياً أثناء احتجازهم في السجون الإسرائيلية خلال العامين الماضيين، في حصيلة وُصفت بأنها “غير مسبوقة” وتعكس سياسة قتل ممنهجة داخل المعتقلات الإسرائيلية.

رقم صادم… ومرشح للارتفاع
وبحسب التحقيق، فإن عدد الشهداء الحقيقي مرجح لأن يكون أعلى بكثير، بسبب غياب أي معلومات عن مئات من أبناء غزة الذين اختطفهم جيش الاحتلال خلال الاجتياحات البرية ولا يزالون في عداد المفقودين. وتتبعت منظمة PHRI حالات الوفاة باستخدام طلبات حرية المعلومات، تقارير الطب الشرعي، وشهادات محامين ومعتقلين سابقين وشهود عيان.
وتكشف البيانات أن الاحتلال قتل في سجونه فلسطينياً واحداً كل 4 أيام، وهو معدل لم يسجل حتى في أحلك فترات الصراع، ما يؤكد — وفق المنظمة — “أن هذه السياسة ليست حادثاً فردياً بل ممارسة ممنهجة ومتواصلة”.
بل إن قاعدة بيانات استخبارية إسرائيلية كانت قد أقرت بوجود 21 شهيداً حتى أيار/مايو الماضي، بينما كان العدد الحقيقي 65 شهيداً في الفترة نفسها، وهو فارق صادم يعكس اتساع فجوة الإنكار الرسمية ومحاولة طمس الأدلة.
تعذيب وتجويع وإهمال طبي… سياسة قتل بطيء
التحقيق يربط بين استشهاد المعتقلين وبين التعذيب الجسدي المباشر، التجويع، الإهمال الطبي المتعمد، الحرمان من الأدوية، وانعدام الظروف الصحية. ويشير التقرير إلى أن الاحتلال “طبع التعذيب والعنف داخل سجونه” خلال العامين الماضيين، خاصة بعد تولّي الوزير المتطرف إيتمار بن غفير حقيبة الأمن الداخلي.
بن غفير تفاخر علناً بتجويع المعتقلين الفلسطينيين عبر تقليص الوجبات إلى مستوى “شبه مجاعة”، إضافة إلى افتتاح سجن تحت الأرض لا يرى فيه المعتقلون ضوء النهار، ما يشكل جريمة تعذيب وفق القانون الدولي.
ووفق شهادات معتقلين مفرج عنهم ومبلّغين من داخل الجيش، فإن التعذيب شمل:
-
الضرب المبرح حتى الموت
-
التعليق لفترات طويلة
-
الهز العنيف
-
التجريد من الملابس
-
الاعتداءات الجنسية
-
استخدام المعتقلين كدروع بشرية
إفلات كامل من العقاب
في ظل هذه الجرائم، لم يتم — خلال عامين — توجيه أي تهمة بالقتل لأي ضابط أو سجان. وللمفارقة، فإن المحاكمة الوحيدة كانت بتهمة “الاعتداء”، وانتهت بسجن جندي لمدة 7 أشهر فقط، رغم تورطه في تعذيب معتقل حتى الشلل.
أما محاولة محاكمة جنود آخرين في حادثة اعتداء شديدة الوحشية، فقد انتهت باحتجاجات من جماعات اليمين المتطرف، وتدخلات سياسية، بل واعتقال كبير المدعين العسكريين نفسه، ليتم لاحقاً إسقاط التهم.
هذا الإفلات من العقاب، وفق الباحث في PHRI ناجي عباس، هو الدليل الأقوى على أن:
“قتل المعتقلين الفلسطينيين ليس استثناءً، بل سياسة رسمية”.
نماذج مؤلمة… وجثامين محتجزة
من أبرز الحالات التي وثقها التحقيق كانت استشهاد الطبيب عدنان البرش (50 عاماً)، رئيس قسم العظام في مستشفى الشفاء، والذي قتل بعد أربعة أشهر من اعتقاله. شهود قالوا إن حراس السجن سحبوه إلى الساحة “عارياً من الخصر إلى الأسفل، ومضروباً بشكل واضح”، قبل الإعلان عن وفاته. الاحتلال رفض إعادة جثمانه إلى غزة حتى اليوم.
ولا يزال العشرات من الشهداء مجهولي الهوية، بعدما قدمت مصلحة السجون معلومات مقتضبة جداً دون أسماء، في سياسة تهدف لمنع توثيق الجرائم.
وفي 21 حالة، معظمها من غزة، لم تتمكن المنظمة من مطابقة أي معلومات مع سجلات الوفيات، ما يعني أن هؤلاء قد قتلوا ودفنوا دون أن يعرف أحد أسماءهم.
إخفاء قسري منظم
التحقيق يؤكد أن الاحتلال انتهج سياسة “الإخفاء القسري” بشكل واسع. فخلال الأشهر السبعة الأولى من الإبادة، رفض الجيش تقديم أي معلومات حول آلاف المعتقلين من غزة.
المحامون تلقوا مئات الردود من مصلحة السجون تقول:
“لا يوجد سجل لاعتقال هذا الشخص”
حتى حين تكون عملية الاعتقال موثقة بالفيديو.
منظمة “هموكيد” الحقوقية سجلت ما لا يقل عن 400 حالة من هذا النوع خلال ستة أشهر فقط.
عائلة الفقعاوي… نموذج للغياب والصدمة
أحد أكثر الأمثلة قسوة كانت عائلة منير الفقعاوي وابنه ياسين. داهمت قوات الاحتلال منزلهما في خان يونس في مارس 2024 واعتقلتهما أمام الأسرة. وحين حاولت العائلة التتبع عبر هموكيد، جاء الرد اليهودي المعتاد: “لا يوجد سجل”.
بعد سبعة أشهر من المماطلة، اعترفت حكومة الاحتلال بأن الأب والابن استشهدا أثناء الاحتجاز، بزعم أن الشرطة العسكرية “تحقق”. شاهد عيان أكد أنه تم استخدامهما كدرع بشري خلال اقتحامات ميدانية.
خلاصة… سياسة قتل ممنهجة
يكشف التحقيق أن ما يجري داخل المعتقلات الإسرائيلية ليس “حالات فردية” ولا “ظروف حرب”، بل سياسة دولة تقوم على التعذيب حتى الموت، الإخفاء القسري، وطمس الأدلة.
ومع استمرار الاحتلال في منع دخول المنظمات الدولية إلى مراكز الاحتجاز، وإصراره على التكتم على أسماء المعتقلين، فإن العدد الحقيقي للشهداء قد يكون أعلى بكثير، بينما تنتظر مئات العائلات خبراً عن أبنائها الذين قد لا يعودون.
التحقيق يضع العالم أمام حقيقة دامغة:
إسرائيل لا تدير سجونا، بل تدير مقابر سرية للمعتقلين الفلسطينيين.
اقرأ أيضًا : بوليتيكو: أوقفوا بيع السلاح للإمارات قبل أن يغرق الإقليم كله في الفوضى