في فضيحة حقوقية جديدة تظهر حجم الاختراق الذي تمارسه الديكتاتوريات العربية للبنى التكنولوجية الأوروبية، كشفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الدولية عن تورط الحكومة البلغارية في إصدار تراخيص رسمية لتصدير معدات مراقبة وتجسس متطورة إلى دول ذات سجلات سوداء في القمع الداخلي وانتهاكات حقوق الإنسان، وفي مقدمتها دولة الإمارات.
وأكدت المنظمة الدولية أن شركة المراقبة “سيركلز” (Circles)، التي تتخذ من بلغاريا مقراً لها، حصلت بين عامي 2018 و2023 على تصاريح قانونية لتصدير أنظمة اعتراض اتصالات سلكية ولاسلكية وبرمجيات خبيثة لتعقب البيانات؛ واستُخدمت هذه الأدوات بشكل مباشر من قِبل أجهزة الاستخبارات والهيئات العسكرية والأمنية في الإمارات والعديد من الدول الأخرى للتجسس على الصحفيين والنشطاء وقمع أي صوت معارض.

شبكات تجسس إلكترونية عابرة للحدود تتقاطع مع الكيان الصهيوني
وأوضح تقرير المنظمة، المنشور في مايو/أيار الماضي بعد تحليل الضوابط الأوروبية، أن المفوضية الأوروبية تقاعست بشكل ذريع عن كبح جماح تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى أنظمة قمعية. وتكشف كواليس شركة “سيركلز” عن ارتباط وثيق وشبكة معقدة تجمعها بالكيان الصهيوني؛ إذ تعود ملكية الشركة المظلة لها “كيو سايبر تكنولوجيز” (Q Cyber Technologies) إلى جهات تمتلك أيضاً شركة برمجيات التجسس الإسرائيلية السيئة السمعة “إن إس أو غروب” (NSO Group)، كما تظهر الوثائق صادرات بلغارية مرخصة مباشرة إلى الكيان الإسرائيلي.
ويرتبط اسم الشركة بـ “تال ديليان”، مؤسس شركة “إنتيلكسا” لبرمجيات التجسس في اليونان، والمُدان قضائياً في أثينا والمدرج ضمن قوائم العقوبات الأمريكية بسبب دور شركاته في تطوير برامج تجسس تجارية استهدفت معارضين ومسؤولين حكوميين.
الترسانة التكنولوجية لمنتجات “سيركلز” المصدرة لأبوظبي
تعتمد التقنيات البلغارية الصهيونية الموردة إلى أبوظبي على استغلال الثغرات الأمنية في البنية التحتية الدولية للاتصالات، وخاصة هجمات نظام الإشارات (SS7) لتحديد المواقع واعتراض البيانات. وتتوزع هذه التكنولوجيا على أربعة منتجات رئيسية مرعبة:
- برنامج لاندمارك (Landmark): وهو حل قائم على الشبكة يُتيح للمستخدمين جمع المعلومات وتحديد المواقع الجغرافية الدقيقة لمشتركي الهواتف الخلوية لتنفيذ عمليات استخباراتية.
- برنامج تمكين تحديد الموقع الصوتي (VOLE): ويعتمد على اختراق بروتوكولات الاتصال لاعتراض المكالمات الصوتية الصادرة والواردة للأهداف عن بُعد، بالإضافة إلى تحديد مواقع كلا الطرفين.
- برنامج سافاير (Saphire): ويقوم بإرسال أوامر عبر محطات طرفية لتعيين بروتوكول إنترنت (IP) جديد للجهاز المستهدف، وذلك لتسهيل عملية التنصت واعتراض الاتصالات.
- منظومة بيكسل (Pixcell): وهي عبارة عن نظام تكتيكي لاستخبارات الإشارات يعترض الصوت، والرسائل، وبنية بيانات الإنترنت عبر أجهزة كشف الهوية الخلوية (IMSI catchers).
الساحة الإماراتية: قمع عابر للحدود وسياسة تصفية الانتقادات
وشددت “هيومن رايتس ووتش” على أن الإمارات تتبع سياسة بوليسية صارمة لا تقبل بأي انتقاد للنظام الحاكم، وتنفذ تلك السياسة عبر ترسانة من أدوات المراقبة التطفلية والمباشرة للرسائل والبريد الإلكتروني للأفراد داخل الدولة وخارج حدودها؛ حيث وظّفت أبوظبي هذه البرمجيات الموردة من بلغاريا لتعزيز قدراتها الأمنية في ملاحقة المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وسحق المجتمع المدني.
وأثارت هذه التراخيص تساؤلات حاسمة حول فعالية وجدية لوائح الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتحقق من “المستخدم النهائي”، مؤكدة أن تقاعس المفوضية الأوروبية سمح بتحويل عواصم أوروبية إلى غطاء قانوني لشركات مشبوهة تبيع الموت الرقمي وتغذي آلات القمع والاستبداد في الشرق الأوسط.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال