في خطوة تكشف عن أبعاد جديدة للمخطط التخريبي الهادف إلى تفتيت الدولة السودانية وضرب بنيتها المؤسسية، بدأ تداول أوراق نقدية من الجنيه السوداني مطبوعة حديثاً في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع المتمردة. وتثير هذه الخطوة الخطيرة تساؤلات كبرى حول مصادر تمويل وتزوير العملة، وتسلط الضوء على عمق الانقسام الاقتصادي والمؤسسي الناجم عن الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من 3 سنوات.

وتسعى الميليشيا الإماراتية، التي تسيطر على أجزاء واسعة من إقليم دارفور وبعض مناطق كردفان، إلى قوننة وجودها عبر تشكيل حكومة موازية أعلنت عنها العام الماضي تحت مسمى “تحالف السودان التأسيسي – تأسيس”، بهدف إدارة الخدمات العامة وصرف الرواتب للموظفين والتابعين لها من أموال مجهولة المصدر والتصنيع.

تلاعب مالي خطير لتجاوز الحصار الاقتصادي

وتعود جذور المعركة النقدية إلى عام 2024، عندما اتخذت الحكومة السودانية الشرعية والبنك المركزي قراراً سيادياً بإيقاف التعامل بالإصدارات القديمة من فئتي 500 و1000 جنيه وإصدار أوراق نقدية جديدة لحماية الاقتصاد الوطني. وفي المقابل، سارعت الميليشيا المدعومة من الإمارات إلى حظر الطبعات الرسمية الجديدة في مناطق سيطرتها، مما تسبب في خنق الأسواق ونقص حاد في السيولة النقدية عانى منه السكان المحليون لشهور.

لكن هذا النقص بدأ يتراجع بشكل مشبوه أواخر مايو/أيار الماضي؛ حيث تلقى موظفون حكوميون وعناصر تابعون للميليشيا رواتبهم بأوراق نقدية بدت جديدة تماماً وغير مستخدمة، رغم أنها تحمل تاريخ إصدار مزور يعود إلى مايو/أيار 2022، وتحمل توقيع المحافظ السابق للبنك المركزي السوداني حسين يحيى جنقول، الذي عُين مؤخراً رئيساً للبنك المركزي غير الشرعي التابع لحكومة “تأسيس” الموازية في مدينة نيالا.

بصمات الدعم الخارجي في تزوير العملة الوطنية

ويؤكد خبراء ومصرفيون في مدينة نيالا أن الأوراق المتداولة طُبعت حديثاً خارج القنوات الرسمية للدولة، وتتطابق بشكل شبه كامل مع الإصدارات التي كانت متداولة قبل الحرب، مما يشير إلى وجود مطابع متطورة وتسهيلات تكنولوجية لوجستية لا تمتلكها الميليشيا بشكل منفرد.

وتتجه أصابع الاتهام مباشرة نحو الدور الإماراتي المشبوه في تزوير وتوفير هذه العملات؛ إذ يرى مراقبون أن تلاعب الميليشيا الإماراتية بالملف النقدي وطباعة عملة موازية يمثلان حلقة جديدة من حلقات الدعم اللوجستي والمالي الخبيث الذي تقدمه أبوظبي لعصابات الجنجويد، بهدف خلق واقع اقتصادي مستقل يمهد لتقسيم السودان وشرعنة سلطة المتمردين بعد فشل حسمهم العسكري.

وفي محاولة للهروب من التساؤلات حول مصدر هذه الأموال المطبوعة وشرعيتها، امتنع القيادي في حكومة الميليشيا الموازية، نصر الدين التعايشي، عن التعليق المباشر على مصدر الأوراق النقدية الجديدة، مكتفياً بـالزعم أن هذه الترتيبات “تستند إلى خطط فنية مدروسة”، موجهاً اتهامات للحكومة الشرعية في الخرطوم باستخدام العملة كأداة حرب، في حين يرى الشارع السوداني أن هذه البروباغندا الإعلامية والتلاعب النقدي لن يغيرا من حقيقة أن هذه الميليشيا وأذرعها التخريبية تعيش على أموال السحت والتمويل الخارجي لنهب مقدرات الوطن وتدمير هويته السيادية.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال