في واحدة من أكثر الهجمات دموية التي تشهدها العاصمة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، قُتل 22 شخصاً وأُصيب العشرات مساء الأحد إثر تفجير انتحاري استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، في حادثة أعادت إلى الأذهان مشاهد الرعب والدم التي عايشتها سوريا خلال سنوات الحرب.
وبحسب بيان وزارة الداخلية السورية، فإن منفذ الهجوم ينتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقد دخل الكنيسة خلال قداس الأحد، ثم أطلق النار بشكل عشوائي على المصلين قبل أن يفجّر نفسه بواسطة سترة ناسفة، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.
وبينما أعلنت وزارة الصحة في البداية عن 19 قتيلاً، ارتفعت الحصيلة تدريجياً لتصل إلى 22، إضافة إلى 52 مصاباً، بينهم حالات حرجة.
المشاهد من محيط الكنيسة كانت صادمة؛ سيارات الإسعاف تهرع إلى المكان، صراخ وعويل في الطرقات، وعناصر الأمن تنتشر بكثافة لإغلاق المنطقة وفتح تحقيق أولي. الصور التي تناقلها الإعلام المحلي أظهرت دماراً كبيراً في صالة الكنيسة، مع تناثر الدماء وبقايا الانفجار وسط مشاهد الذعر.

عودة التنظيمات المتطرفة
اللافت في الهجوم ليس فقط حجمه الدموي أو استهدافه لكنيسة وسط العاصمة، بل توقيته وموقعه الرمزي. فالعملية تأتي بعد ستة أشهر فقط من انهيار نظام الأسد وتشكيل حكومة انتقالية بدعم أممي، في مرحلة تشهد فيها البلاد إعادة ترتيب أوراقها الأمنية والسياسية. ورغم الحملات الأمنية المكثفة التي شنتها القوات الجديدة ضد خلايا تنظيم الدولة، خصوصاً في محافظتي حلب ودير الزور، فإن الهجوم الأخير يؤشر إلى أن التنظيم لا يزال قادراً على الضرب في العمق الدمشقي.
العملية، التي وُصفت بأنها “الأخطر منذ سقوط الأسد”، تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول جاهزية الأجهزة الأمنية الجديدة، ومدى قدرتها على ضبط العاصمة، التي عانت طويلاً من تفجيرات وأعمال انتقامية خلال سنوات الحرب.
ورغم أن وزارة الداخلية أكدت أن “هذه الأعمال الإرهابية لن توقف جهود الدولة في تحقيق السلم الأهلي”، إلا أن الهجوم يعكس هشاشة الوضع الأمني، وربما فشل مبكر في ضبط الخلايا النائمة التي استغلت فراغ ما بعد الأسد لإعادة التموضع.
أطراف خارجية وأجندات خفية.. من المستفيد من الفوضى؟
في خضم الفوضى التي تلت انهيار النظام السابق، تصاعدت أصابع الاتهام نحو جهات إقليمية ودولية يُشتبه في لعبها أدواراً خفية لإبقاء سوريا في حالة عدم استقرار، عبر تغذية الجماعات المتطرفة وتسريب الأسلحة أو غضّ الطرف عن تحركات عناصر التنظيمات المسلحة.
العديد من المحللين يلفتون الانتباه إلى أن التفجير قد لا يكون فقط تعبيراً عن قوة “داعش”، بل أيضاً نتيجة “تواطؤ أو تقاطع مصالح” بين شبكات إقليمية لا تزال تعبث في المشهد السوري، في محاولة لعرقلة الانتقال السياسي وإفشال محاولات السلم الأهلي. فالهجوم على كنيسة، في قلب دمشق، يحمل دلالات رمزية خطيرة تهدف إلى ضرب التعايش بين المكونات السورية، وإشعال فتيل صراع طائفي جديد بعد أن بدأ السوريون يلتقطون أنفاسهم بعد عقد دموي.
وزارة الخارجية السورية اعتبرت في بيانها أن “الهجوم محاولة يائسة لضرب التعايش الوطني”، وهي إشارة واضحة إلى إدراك الجهات الرسمية بأن ما جرى لا يستهدف فقط الكنيسة والمصلين، بل يحمل رسالة أوسع موجهة إلى المجتمع السوري بأكمله.
ردود فعل دولية.. ودعوات للتحقيق
الهجوم أثار موجة إدانة واسعة من قبل دول عربية وإقليمية. العراق ولبنان والأردن وفلسطين وقطر والسعودية والإمارات والبحرين، إضافة إلى تركيا، أدانت التفجير ووصفته بـ”الإرهابي والجبان”، داعية إلى التضامن مع الشعب السوري ودعم جهود الاستقرار.
بدوره، أدان المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسون الهجوم، معتبراً أنه “جريمة بشعة”، وطالب بفتح “تحقيق شامل”.
إلا أن مراقبين يرون أن الإدانة الدولية وحدها لا تكفي، ما لم تُترجم إلى دعم حقيقي للأجهزة الأمنية السورية الناشئة، ومنع أي تداخلات خارجية تؤدي إلى تغذية بؤر التطرف.
ماذا بعد التفجير؟ مستقبل هش واستحقاقات ثقيلة
الهجوم على كنيسة مار إلياس يفتح الباب واسعاً على احتمالات تصعيد جديد، ليس فقط على يد التنظيمات المتطرفة، بل من خلال محاولات أطراف محلية ودولية لاستغلال حالة عدم الاستقرار لإعادة خلط الأوراق في سوريا.
وفي هذا السياق، تبدو الحكومة الانتقالية أمام تحديات جسيمة، أبرزها ضبط الأمن، وتفكيك الخلايا النائمة، وإعادة الثقة للمواطنين في قدرتها على حماية السلم الأهلي.
كما يتعين على المجتمع الدولي الخروج من مربع التصريحات إلى ميدان الدعم الميداني، سواء عبر تقوية مؤسسات الدولة الجديدة، أو عبر ممارسة ضغوط حقيقية على الجهات التي لا تزال تعبث بأمن سوريا من وراء الستار.
ختاماً، فإن تفجير الكنيسة، وإن كان يحمل في ظاهره بعداً دينياً، إلا أنه في جوهره هجوم على فكرة الدولة نفسها، وعلى أمل السوريين في تجاوز سنوات الدم والفوضى.
وهو إنذار مبكر بأن “سوريا ما بعد الأسد” لا تزال ساحة مفتوحة أمام صراعات كثيرة، وأن طريق السلام يحتاج إلى أكثر من حكومة انتقالية وشعارات، بل إلى تحصين أمني داخلي وتوافق وطني عميق، وسدّ الثغرات أمام أيادي الخارج التي ما زالت تعبث بمصير وطن أنهكته الحروب.
اقرأ أيضًا : إدانات دولية للهجوم الأمريكي على إيران… ومصر والأردن تلتزمان الصمت