في خطوة دعائية غير مسبوقة، أطلق “الائتلاف الإسرائيلي للأمن الإقليمي” حملة إعلانية واسعة في شوارع تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى، حملت شعار “تحالف أبراهام”، وظهرت فيها صور لزعماء عرب، بعضهم لا تربطهم أي علاقات رسمية بإسرائيل، مثل الرئيس اللبناني جوزيف عون.
هذه الحملة تثير تساؤلات عميقة حول أهدافها، توقيتها، ودلالاتها السياسية، خصوصاً أنها تأتي في أعقاب الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، وسط إشارات أمريكية إلى محاولة الدفع بتوسيع رقعة التطبيع في المنطقة.

حملة “تحالف أبراهام”.. محاولة هندسة شرق أوسط جديد
تستند الحملة الجديدة إلى منطق تحويل الإنجاز العسكري المزعوم لإسرائيل في صراعها الأخير مع إيران إلى رافعة سياسية ودبلوماسية.
وفقاً لبيان الائتلاف، فإن “النجاحات العسكرية تفتح نافذة نادرة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط”. والمقصود هنا أن تل أبيب تسعى إلى استثمار لحظة نادرة من التفوق العسكري والاحتضان السياسي الأمريكي لتوسيع رقعة “اتفاقيات إبراهيم”، من مجموعة محدودة من الدول العربية إلى “تحالف إقليمي موسّع”.
لكن اللافت أن اللوحات الإعلانية لم تقتصر على صور زعماء الإمارات أو البحرين أو المغرب، بل تضمّنت أيضاً شخصيات تمثل دولاً معادية تقليدياً لإسرائيل أو لا تعترف بها أصلًا، مثل سوريا ولبنان.
وهذا ما يبدو وكأنه “إعلان نوايا سياسية” أكثر من كونه توصيفًا للواقع، في محاولة لإعادة هندسة التصورات السياسية في الشارع الإسرائيلي والعربي على السواء.
هذا الترويج السياسي الذي يُلبَس لبوس التحالف الأمني يُعبّر عن تصور إسرائيلي مفاده أن المعركة مع إيران لم تعد شأناً عسكرياً فقط، بل مدخلاً لإعادة رسم تحالفات المنطقة، بما يعزز من موقع تل أبيب كحليف مركزي لأنظمة تصفها بـ”المعتدلة”.
دلالات توقيت الحملة ومضامينها الخفية
توقيت الحملة الدعائية يتزامن مع تطورات إقليمية معقدة، أبرزها العدوان الإسرائيلي على منشآت إيرانية، ورد طهران بضربات على مواقع إسرائيلية، قبل تدخل واشنطن وفرض وقف لإطلاق النار.
في هذه الأجواء المتوترة، يبدو أن تل أبيب تستشعر فرصة “سياسية نادرة” لاجتذاب دول عربية جديدة إلى حظيرة التطبيع، مستفيدة من تراجع التهديد الإيراني المباشر بعد الضربات المتبادلة، ومن الحضور الأمريكي المكثف في المشهد.
كما تأتي الحملة بالتزامن مع تصريحات ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي، الذي ألمح إلى إعلان مرتقب بانضمام دول جديدة إلى اتفاقيات إبراهيم، ما يعزز القناعة بأن هناك “طبخة سياسية” يجري إعدادها بين تل أبيب وواشنطن وبعض العواصم العربية، خلف الأبواب المغلقة.
ومن الدلالات الرمزية، إدراج صورة دونالد ترامب في اللوحات، رغم خروجه من السلطة، ما يشي بأن تل أبيب ما زالت تعتبره المهندس الحقيقي لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” القائم على تجاوز فلسطين، وتطبيع الوجود الإسرائيلي.
حدود الواقعية السياسية في الرهان الإسرائيلي
رغم الطموحات الظاهرة في الحملة، فإن الواقع السياسي لا يدعم كثيراً هذا التفاؤل الإسرائيلي. فلبنان الرسمي يرفض الاعتراف بإسرائيل، وسوريا لا تزال تُدرجها في خانة “العدو”.
بل إن التلويح بصور الزعماء اللبنانيين والسوريين في شوارع تل أبيب قد يُقوّض أي مسار تطبيعي محتمل، لأنه يُعزز سرديات “العمالة” و”الخيانة” في الداخل العربي، ويصعّب على أي نظام اتخاذ خطوات تطبيعية علنية.
كما أن شعوب الدول العربية المطبّعة نفسها ما زالت ترفض التطبيع على نطاق واسع، وهو ما برز بوضوح في ردود الفعل الشعبية بعد اتفاقيات 2020، وفي الحملات المستمرة لمقاطعة البضائع الإسرائيلية أو الداعمة للاحتلال.
من جهة أخرى، فإن استخدام عبارة “التحالف ضد إيران والمنظمات الإرهابية” يضع الدول العربية التي قد تنضم مستقبلاً في زاوية حساسة، حيث يتوجب عليها القبول العلني بالاصطفاف العسكري والسياسي إلى جانب إسرائيل، وهو ما قد يُفجّر الداخل الشعبي في هذه الدول.
هل تنجح تل أبيب في فرض شرق أوسطها الجديد؟
تحاول إسرائيل اليوم اللعب على حافة السكين: تحويل انتصاراتها العسكرية إلى مكتسبات دبلوماسية، وتمرير صورة جديدة للشرق الأوسط لا يكون فيه الاحتلال وصمة، بل حليفًا مشروعًا.
لكن هذا المسار يصطدم بواقع مركب: توازنات إقليمية متوترة، شعوب عربية رافضة، وخطوط حمراء ما تزال قائمة في دول كمصر ولبنان وسوريا.
ربما تُنجز تل أبيب اتفاقيات جديدة، وربما يُعلن قريبًا عن انضمام دول إضافية إلى قطار التطبيع، لكن الثمن الاستراتيجي سيكون باهظًا: المزيد من الانقسام العربي، وتآكل قضية فلسطين كقضية مركزية، ما سيؤدي بدوره إلى تسارع تحولات المنطقة ليس نحو السلام، بل نحو هشاشة أمنية وسياسية لا يمكن لإسرائيل ولا لحلفائها التنبؤ بمآلاتها.
اقرأ أيضًا : ما دلالة قصف إيران للقواعد الأمريكية في الخليج؟