تغيير حجم الخط ع ع ع

 

في إطار سعيها لتعزيز دفاعاتها بعد سلسلة هجمات الحوثيين، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية نيتها التعاقد مع شركة الصين الوطنية للاستيراد والتصدير لتكنولوجيا الطيران “كاتيك”، ما اعتبره مراقبون هرولة إماراتية نحو بكين.

ومع الضربات الجوية التي وجهها الحوثيون من جبال اليمن إلى مناطق حساسة وذات أهمية إستراتيجية في الإمارات، أصبحت الدولة الخليجية الباحثة عن النفوذ والسيطرة في الإقليم تحت التهديد.

ويرى كثيرون أنه صار لزاما على الإمارات، الحصول على أسلحة وطائرات جديدة لمواجهة الوضع الذي لم تتعرض له بهذه الصورة منذ تاريخ تأسيسها في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1971.

واستهدف الحوثيون المدعومون من إيران، الإمارات بطائرات مسيرة وصواريخ عبر هجمات تكررت ثلاث مرات خلال يناير/كانون الثاني 2022، بينها هجوم أوقع ثلاثة قتلى من العاملين بمجال النفط، وهو ما دفع الحليف الأميركي حينها لنشر بارجة ومقاتلات لحماية أبوظبي.

الوزارة أفصحت في 23 فبراير/شباط 2022، عن رغبة أبوظبي بشراء 12 طائرة من طراز “إل 15” (Hongdu)  للتدريب والطائرات القتالية الخفيفة، مع احتمال إضافة 36 طائرة مستقبلا، بإجمالي 48 ولكن دون تحديد قيمة الصفقة، والتفاصيل حول نوع الطراز المطلوب.

الإعلان عن الصفقة الصينية جاء في ختام معرض الأنظمة غير المأهولة “يومكس” ومعرض المحاكاة والتدريب “سيمتكس”، في أبوظبي، والذي وقعت خلاله وزارة الدفاع الإماراتية 12 عقدا بنحو (544 مليون دولار) مع الشركات المشاركة.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، قدمت الطائرة “إل 15″، الأسرع من الصوت أداء في الطيران بالإضافة إلى كونها على شاشة ثابتة في معرض “دبي للطيران”، مما أظهر قدرة الطائرة المتميزة على المناورة والقدرات لأغراض التدريب والقتال.

وبالفعل قدمت وزارة الدفاع الإماراتية خطاب نوايا للشركة الصينية “كاتيك”، الكيان مملوك لبكين والمتخصص بتصنيع منتجات الطيران.

وقال المسؤول عن صفقات الجيش الإماراتي طارق عبد الرحيم الحوسني، لوكالة الأنباء الإماراتية “وام”، في 23 فبراير 2022: “وصلنا للمراحل النهائية بالمفاوضات مع الصين، وإبرام اتفاق نهائي قريبا”.

وأوضحت “وام” أن “هيئة الاستحواذ الدفاعية والأمنية بالإمارات، تسعى لتطوير القدرات الدفاعية للإمارات وتحقيق أولوياتها الإستراتيجية”.

الوضع الإماراتي المثير للقلق مع ضربات الحوثي يأتي في ظل تعثر صفقة شراء 50 طائرة “إف-35” وطائرات “إم كيو 9B” بدون طيار الأميركية بقيمة 23 مليار دولار، والمهمة لأبوظبي.

وأعلنت الدولة الخليجية في ديسمبر 2021، سحب خطاب قبول العرض الخاص بها، احتجاجا على شروط واشنطن الصارمة.

ولذا فإن الضربات الحوثية تأتي في توقيت اتخذت فيه العلاقات الإماراتية الأميركية منعطفا دراماتيكيا بعدما أوقف الرئيس جو بايدن صفقة “إف -35″، التي وقعها دونالد ترامب، في محاولة للضغط على أبوظبي بشأن اتصالاتها الاقتصادية والعسكرية المتزايدة مع الصين.

طالبت واشنطن أبوظبي بإلغاء صفقة شبكة “اتصالات 5G” مع شركة “هواوي” الصينية، كشرط لإتمام بيع الطائرة الأميركية، وذلك لتحزيم العلاقات بين الإمارات والصين.

لكن يبدو أن الشرط الأميركي دفع الإماراتيين بشكل معاكس نحو التنين الصيني، خاصة مع زيادة المخاوف الإماراتية من الضربات الحوثية التي تؤثر بشدة على اقتصاد الدولة الخليجية القائم على الاستثمار الأجنبي والسياحة.

وهنا لم يكن بد من أن تلجأ إلى بكين المنافس الاقتصادي والعسكري الأول لبلاد العم سام، لتطوير قواتها وتعويض ما لديها من نقص، متحدية بذلك توجهات حليفتها التقليدية واشنطن، تجاه بكين.

وتعمل القوات الجوية الإماراتية بشكل أساسي على مقاتلات “إف 16” أميركية الصنع ومقاتلات “ميراج” الفرنسية فيما طلبت صفقة من طائرات “رافال” خلال 2021.

ويواجه نظام أبوظبي انتقادات حادة لسجله القاتم في حقوق الإنسان بحق المعارضين المحليين، وذلك إلى جانب سلوك الدولة الخليجية المتهور في أزمات المنطقة، وخاصة مشاركتها في حروبها وصراعاتها منذ الربيع العربي 2011.

ومنذ العام 2015، شاركت أبوظبي في حرب اليمن بقوات عسكرية برية سحبتها عام 2019، ولكنها تواصل دورها كلاعب رئيس إلى جانب السعودية بعملياتها الجوية، وذلك إلى جانب دعمها قائد الانقلاب الليبي خليفة حفتر وزيادة حدة الصراع داخل ليبيا.

الصفقة المحتملة لاقت اهتماما كبيرا من المواقع العالمية وخاصة المتخصصة في شؤون الدفاع والتسليح والطيران، التي أشارت لأهميتها بالنسبة للصين، والإمارات، ولفتت إلى ما تسببه لأميركا من إزعاج وقلق من تحول إستراتيجي في علاقات حليفتها أبوظبي.

إذ أكد موقع “ذا ديفينس بوست”، أنه “لم يجر الكشف عن قيمة الصفقة الصينية”، لافتا إلى القلق الأميركي منها خاصة وأنها تأتي بعد تعثر صفقة المقاتلة “إف 35”.

الموقع المهتم بالشؤون الدفاعية، أشار إلى محاولات نواب بالحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن، دون جدوى، وقف بيع “إف 35″، كان بسبب ضلوع الدولة الخليجية في حرب اليمن.

وعن تفاصيل الصفقة ومراحلها، قال العقيد بالقوات الجوية الإماراتية عبدالناصر الحميدي، إنها لطائرة “تدريب متطورة ومقاتلة خفيفة، من أحدث تقنيات هذا المجال”، وفق ما نقل عنه موقع “بريكينغ ديفينس”.

وبين الموقع الأميركي المتخصص بشؤون التسليح في 23 فبراير 2022، أنها تأتي ضمن سياسة “تنويع الإمارات مصادر منصاتها الدفاعية”، مبينا أن وزارة الدفاع ستعلن قريبا عن قيمتها.

وعرضت شركة “كاتيك” الصينية “إل 15″، بمعرض دبي الجوي في نوفمبر 2021، النوع ذي المحرك الواحد المحاط بمجموعة متنوعة من الأسلحة التي تطلق من الجو، وفق تقرير لموقع فلايت غلوبال نشره في 23 فبراير 2022.

الموقع المتخصص بأخبار صناعة الطيران والفضاء، قال: “إذا تأكدت الصفقة، فإن طلب الإمارات 48 طائرة يمثل أكبر نجاح للطائرة الصينية، والتي جذبت اهتماما محدودا، واستخدمت بكين منها 14 فقط بأسطولها البحري وقواتها الجوية، فيما اشترت زامبيا 6 منها”.

وفي تعليقه على الصفقة كتب المحلل “روري رينولدز”، بموقع “ذا ناشونال نيوز” في 23 فبراير 2022، أنه برغم عدم الكشف عن قيمة الصفقة، لكن الصين تبيع الطائرة ذات المقعدين مقابل 10 ملايين دولار إلى 15 مليون دولار لكل وحدة.

وأوضح أن “ذلك من شأنه أن يجعل الطائرة أرخص بكثير من المقاتلات التي تنتجها أميركا وأوروبا، بجانب أنها متعددة الاستخدامات” و”الأفضل في فئتها”.

ورغم أن هذه ليست الصفقة العسكرية الأولى من الإمارات لنظام دفاع صيني، فإنها تقلق الأميركيين تجاه أي تقارب صيني مع دول الخليج العربي، خصوصا بمجال تقنية المعلومات، خاصة وأن بكين أكبر شريك تجاري للمنطقة الغنية بموارد الطاقة.

وفي عام 2017، اشترت الإمارات عددا غير معلوم من طائرات “Wing Loong II” الجوية الهجومية بدون طيار من مجموعة صناعة الطائرات في مدينة تشنغدو الصينية. 

وقال موقع “بريكينغ ديفينس” إن الصفقة جاءت بعد رفض واشنطن بيع طائرات بدون طيار للإمارات لاستخدامها في حربها ضد الحوثي. وأكد الموقع أن إعلان الإمارات يشير إلى تحول إستراتيجي كبير عن سياسة أبوظبي طويلة الأمد في شراء الطائرات الحربية الغربية فقط، وتوجه لافت لتعزيز العلاقات الإستراتيجية بين الإمارة الغنية بالنفط وبكين.

ويعتقد أن “صفقة إل 15، إذا أبرمت ستمثل تحولا جذريا في تقاليد أبوظبي المتمثلة في شراء الطائرات العسكرية ذات الأجنحة الثابتة الغربية فقط”.

ونقل الموقع عن الكاتب والمحلل الدفاعي المقيم في دبي فهد الحلبية، قوله إن “إعلان (L-15) هذا يعكس أزمة ثقة، وعلى أميركا مراجعة حساباتها وإصلاح العلاقات مع الإمارات”.

وعزا الحلبية الأزمة إلى سلسلة الخلافات السياسية الأخيرة بين واشنطن وأبوظبي بالقضايا المتعلقة بإيران والحرب في اليمن والعلاقات مع الصين.

من جانبه، قال الصحفي الصيني وانغ يانان، في 24 فبراير 2022، إن “الطائرة إل 15 جذبت اهتمام الإمارات لأدائها الفني”، مبينا أنها “متطورة ولا مثيل لها في العالم”، وفق ما نقلت عنه صحيفة غلوبال تايمز الصينية.

وأكد أنه “يمكنها حمل أسلحة لتكون بمثابة طائرة مقاتلة خفيفة ومتعددة المهام”، وأنها “مزودة بمجموعة أنظمة إلكترونية متقدمة، ومجموعة واسعة من الذخائر”.

ويرى وانغ يانان، أنها “بصفتها طائرة تدريب فهي لا تسبب تأثيرا كبيرا على الأمن الإقليمي، وليست بديلا عن المقاتلة الأميركية (إف 35)، ومن غير المرجح أن تؤثر هذه الخطوة على علاقات الإمارات مع أميركا.

وفي تقديره لأسباب عقد الإمارات الصفقة الصينية الآن، وهل هي لمواجهة الحوثي أم لمآرب أخرى، قال الباحث المصري في الشؤون الأمنية أحمد مولانا، إن “أبوظبي اعتمدت على الدعم الأميركي بشكل أساسي”.

وفي حديث صحفي، أشار لدور “منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية في التصدي لهجمات الحوثي، والموجودة في قاعدة الظفرة، وكذلك إرسال أميركا سرب طائرات (إف 22)، فضلا عن المدمرة (كول) السفينة الحربية المزودة بمنظومات دفاع صاروخي متطورة”.

ولفت مولانا إلى أن التعاون العسكري الأميركي الإماراتي بلغ حد إعلان “واشنطن تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أبوظبي بشأن هجمات الحوثي”.

وعن دلالات عقد الإمارات اتفاقا بشأن طائرات “أل 15” الصينية بعد تهديدها بإلغاء صفقة طائرات “إف-35” الأميركية، قال الباحث المصري إن “الأولى طائرات خفيفة للتدريب وليست قاذفة قنابل أو مقاتلة”.

وأكد أن “التكهن بأنها ستلغي صفقة إف 35 الأميركية، أمر بعيد لأن الطائرتين مختلفتين تماما وأسعارهما مختلفة تماما، و(إل 15)، لن تؤثر على موازين القوى بالمنطقة؛ وبالتالي ليس لها علاقة بمواجهة الحوثي في اليمن، وهي لتطوير منظومة التدريب في سلاح الجو الإماراتي”.

وبشأن تداعيات الصفقة على علاقة أبوظبي مع حليفتها واشنطن، يرى مولانا، أن “الإمارات تتمتع بمظلة حماية أميركية قوية”.

وختم حديثه بالقول: “لا شك أن الإمارات تحرص على عدم إزعاج الأميركيين بالارتماء في حضن الصين، ولأن صفقات السلاح المرتبطة بطائرات التدريب الخفيفة والسلاح البسيط هو أمر معتاد ولا يزعج واشنطن كثيرا”.

وفي رؤيته، قال الباحث والأكاديمي المصري، محمد الزواوي: “في ظل الصراع مع الحوثيين، فإن أهم التهديدات تتعلق بهجماتهم بالطائرات المسيرة، ومن ثم استثمرت أبوظبي في تطوير وتصنيع أسلحة بالاشتراك مع إسرائيل لوقف هجمات تلك الطائرات التي لا يمكن التصدي لها بالوسائل التقليدية”.

المحاضر بمعهد الشرق الأوسط بجامعة “سكاريا” التركية، قال إن “واحدة من دوافع الإمارات لتطبيع العلاقات مع تركيا كذلك هو تطور صناعة المسيرات التركية وإثبات فاعلياتها في مناطق الصراعات بين أذربيجان وأرمينيا، وكذلك على الساحة الليبية”.

وتابع: “ومن ثم فإن الصراعات الحديثة تتجه أكثر نحو الحروب غير التقليدية وغير الشاملة، وكذلك حروب الوكالة كما في حالة الحوثي، وهذا هو الدافع الرئيس لحاجة معظم القوى الإقليمية لمواكبة ذلك التطور”.

وأردف “كما عملت مختلف القوى بالمنطقة على اللجوء لبدائل إف 35 الأميركية، فإن الإمارات قد تلجأ لنفس الأمر، بالرغم من أنه لا توجد حاجة ملحة للحصول على تلك الطائرات من الجيل الخامس طالما بقي الأسطول الأميركي بالخليج”.

وأضاف: “برزت الصين كواحدة من أهم مطوري الأسلحة رخيصة الثمن وذات فاعلية مقبولة، ومن ثم دخلت بقوة بمجال المنافسة العسكرية، لاسيما في ظل القيود التي تفرضها واشنطن على تصدير تقنياتها المتقدمة لدول خارج حلف شمال الأطلسي”.

أما على المدى البعيد فمن المتوقع أن تقلل أميركا من وجودها العسكري بالخليج مع تراجع الأهمية الإستراتيجية للمنطقة بعد ظهور بدائل أخرى لنفط تلك المنطقة.

 ومن ثم فإن على دول المنطقة العمل على تطوير صفقات تسليحها وجيوشها استعدادا لتحمل أعباء الدفاع والأمن، بالاعتماد على شركاء دول الخليج ذات الجيوش الكبرى مثل مصر وباكستان، وفق تقديره.

وقال الأكاديمي المصري: “من غير المستبعد كذلك أن تتراجع واشنطن عن فرض قيود صارمة على الإمارات للحصول على إف 35 في المستقبل، لا سيما إذ حصلت على ضمانات بأن تلك الطائرات لن يجرى استخدامها ضد حلفائها بالمنطقة وعلى رأسهم إسرائيل”.

واستدرك: “لكن تظل القضية الأهم على البوصلة الأمنية الحالية لدول الخليج هي مواجهة المسيرات الحوثية التي استطاعت أن تحدث اختراقات كبيرة بمنظومات الدفاع والأمن القومي الخليجية”.

وختم حديثه: “دول الخليج تتعاون كذلك مع الصين وروسيا وتستثمر بعضها في مشروعات تطوير أسلحة مضادة لتلك المسيرات سواء صواريخ أو مسيرات دفاعية، لتفادي مزيد من التدهور بالمنظومة الاقتصادية لها”.

وعلى رأسها الإمارات التي تستثمر بالأمن والسلم لترويج ثرواتها العقارية في دبي وكذلك بالاحتفاظ بكونها مركزا للتجارة الدولية من وإلى الشرق، وفق قوله.