في خطوة ميدانية وقانونية حاسمة تنهي حقبة طويلة من الاستباحة والبلطجة المسلحة، أكدت مصادر خاصة في مدينة الرقة شمال شرقي سوريا، نجاح السلطات في توقيف المدعو تركي مخلف المرعي، الملقب بـ “تركي البوحمد” و”الكركاعة”، وهو قائد ميليشيا “مقاتلي العشائر” سيئة السمعة والتابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية في عهد نظام الأسد البائد. ويواجه البوحمد، المتورط في دماء مئات السوريين، قائمة ثقيلة من الاتهامات الجنائية والجرائم الإنسانية تشمل القتل والتعذيب والانتهاكات الجسيمة، إلى جانب الخطف والابتزاز المالي، بعد سنوات استغل فيها البنية العشائرية كغطاء لتثبيت نفوذ النظام المقبور وتمهيد الأرض لاقتحام ريف الرقة الشرقي.

وبرز اسم البوحمد—الذي شغل موقعاً سياسياً في حركة الاشتراكيين العرب—منذ عام 2012 عندما أسس نواة ميليشياته في قريته بريف الرقة لملاحقة المتظاهرين السلميين ومجموعات الجيش السوري الحر. وتباهى “الكركاعة” علناً في مقابلات سابقة مع وكالة “سبوتنيك” الروسية بتورط مرتزقته في عمليات خطف نوعية استهدفت فصائل المعارضة وتسليمهم للأجهزة الأمنية المسالخ البشرية التابعة للأسد في دير الزور. وادعى المعتقل زوراً أنه “شيخ عشائر البوشعبان في سوريا والعراق” لاستمالة المكون القبلي وتجنيد الشباب، متسلحاً بتدريب مباشر تلقاه عناصره على يد مدربي “روسيا وحزب الله”، وتمويل وتسليح كامل من الجيش الروسي الذي منحه أوسمة وشهادات دكتوراه فخرية ملوثة بالدماء لمشاركته في معارك تدمر وحلب والبادية.

ويكشف السجل الأسود لميليشيا “مقاتلي العشائر” عن ممارسات فاشية بحق المدنيين؛ حيث منع البوحمد سكان القرى التي اجتاحتها قواته من العودة إلى ديارهم، واضعاً شرطاً إجرامياً يقضي بتقديم “مقاتل من كل عائلة” مقابل السماح لها بالاستقرار، فضلاً عن رفضه المطلق لعودة العائلات التي يقيم أبناؤها في تركيا أو انخرطوا في الحراك الثوري. ولم يسلم المدنيون في حلب من ويلات هذه العصابة المنظمة، إذ نُقل قرابة 500 من عناصرها إلى منطقة الخفسة لأسباب تأديبية بعد غرقهم في تعفيش المعامل والمنازل، قبل أن تنفجر الصراعات الداخلية حول الغنائم والمسروقات عام 2019 وتفرض قوات النظام الإقامة الجبرية على قائدها إثر خلافات مع ضباط الفرقة الرابعة والاستخبارات.

وتؤكد المعطيات أن توقيف البوحمد يمثل سقوطاً مدوياً لواحد من أخطر نماذج “شبيحة الصف الأول” الذين رهنوا قرارهم للمستعمر الروسي والإيراني، واستخدموا السلاح لترهيب السوريين وتفكيك نسيجهم الاجتماعي دفاعاً عن كرسي الطاغية المخلوع. ويرى مراقبون حقوقيون أن تهاوي هذه القيادات الميليشياوية واقتيادها إلى مراكز التوقيف يبرهن على أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى بلا رجعة، وأن الوثائق والاعترافات المسجلة بحوزة “الكركاعة” ستكون دليلاً دامغاً إضافياً أمام محاكم العدالة لتصفية تركة الاستبداد البائدة وتطهير الجغرافيا السورية من عصابات الإجرام المنظم.