استفاق أهالي قطاع غزة، صباح الخميس، على مشهد دموي جديد يضيف حلقة أخرى إلى سلسلة الإبادة الجماعية التي يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. ففي ساعات الفجر الأولى، أفادت المصادر الطبية بارتقاء 63 شهيدًا، بينهم أطفال ونساء، نتيجة القصف الإسرائيلي العنيف على مناطق متفرقة في القطاع.
اللافت أن 28 من هؤلاء الضحايا قُتلوا بالرصاص أثناء انتظارهم المساعدات الإنسانية، وهو ما يُظهر بوضوح نية الاحتلال في استهداف المدنيين المُجوّعين، وحرمانهم حتى من حقهم في الغذاء والنجاة.
وتتكرر المأساة يومًا بعد يوم، حيث لا يُبقي القصف الإسرائيلي منطقة آمنة، ولا يفرق بين بيت ومدرسة وسوق ومركز إيواء. ففي شمال غزة، قصفت مدفعية الاحتلال تجمعًا للمواطنين عند الدوار الغربي في بيت لاهيا، مما أدى إلى استشهاد ثلاثة فلسطينيين هم: محمد سعود الأشرم، ومحمد رزق ياسين، وعبد الله فضل أبو ريان. لم يكونوا يحملون سلاحًا، بل كانوا فقط يسيرون في محيط منازلهم بحثًا عن لقمة عيش أو نجاة من القصف.

26 مجزرة خلال 48 ساعة.. سياسة قتل ممنهجة:
وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن الاحتلال ارتكب خلال 48 ساعة فقط 26 مجزرة دموية بحق المدنيين، راح ضحيتها أكثر من 300 شهيد، إلى جانب مئات الجرحى والمفقودين، وسط عجز المستشفيات عن تقديم الإسعافات، في ظل الحصار وانهيار البنية التحتية الصحية.
التوصيف الذي قدمه البيان لا يحتمل التأويل: “جرائم متلاحقة وجديدة تؤكد مضي الاحتلال في تنفيذ سياسة القتل العمد والإبادة الجماعية والتطهير العرقي”. فالهجمات لم تقتصر على مواقع عسكرية أو حتى على مناطق اشتباك، بل استهدفت بشكل مباشر:
- مراكز الإيواء التي تضم آلاف العائلات النازحة.
- الأسواق الشعبية حيث يتجمع المدنيون لشراء أدنى مستلزمات البقاء.
- الاستراحات العامة التي لجأ إليها الفارون من القصف
- المدنيون المجوّعون خلال محاولتهم الوصول إلى مساعدات أو طعام.
-
منازل العائلات دون إنذار أو تحذير مسبق.
وتكشف هذه القائمة أن الاستهداف الإسرائيلي تجاوز حتى معايير الحروب التقليدية، حيث بات المدنيون هم الهدف الرئيس، في سياسة تبدو متعمدة لإرغام الفلسطينيين على النزوح أو القبول بحلول مذلة، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب وإبادة موصوفة بموجب القانون الدولي.
إسقاط ما تبقى من الحياة.. المستشفيات تحت النار:
لم يكن قصف المدنيين وحده هو الذي ميز هذا التصعيد الدموي، بل تضاعفت المأساة مع استهداف ممنهج للمستشفيات والطواقم الطبية. فقد رصدت تقارير محلية ودولية هجمات متكررة على المستشفيات في القطاع، ومحاولات لإخراجها من الخدمة، من خلال تدمير أقسام كاملة، أو منع إدخال الوقود والإمدادات الطبية، بل وحتى قتل الكوادر الطبية أثناء أداء عملهم.
يُجمع مراقبون على أن هذه السياسة تستهدف ما تبقى من المنظومة الصحية الهشة أصلًا في غزة، وتحوّلها إلى شلل تام، ما يعني زيادة عدد الضحايا من المصابين بسبب عدم القدرة على إسعافهم، فضلًا عن ارتفاع عدد الوفيات بين الأطفال الرضع، ومرضى السرطان، والكلى، والأمراض المزمنة.
النساء والأطفال.. هدف مفضل للآلة العسكرية الإسرائيلية:
مرة أخرى، تُظهر الإحصائيات أن غالبية الشهداء من النساء والأطفال، بما يشير إلى تعمّد الاحتلال استهداف الفئات الأضعف. فبدلًا من حماية المدنيين كما توصي كل المواثيق الدولية، تحول هؤلاء إلى أهداف مباشرة في قائمة القتل الجماعي.
وحين تسقط قذيفة على منزل تسكنه عائلة بأكملها، أو تُطلق رصاصة على سيدة تنتظر كيس دقيق، فذلك لا يمكن تفسيره إلا في إطار استراتيجية مدروسة لتدمير النسيج المجتمعي، وترهيب الناس، وزرع الخوف في كل تفاصيل حياتهم اليومية.
إبادة جماعية على الهواء مباشرة:
إن ما يجري في غزة لا يمكن وصفه بغير الإبادة الجماعية الممنهجة، والتي تُنفذ على مرأى ومسمع من العالم أجمع. فقد تكررت المجازر، وتعددت أنماط القتل، وتنوعت الوسائل، لكن بقي العامل المشترك الوحيد هو: استهداف الحياة الفلسطينية ذاتها، بكل أشكالها ومكوناتها.
ورغم ذلك، لا يزال العالم في حالة صمت مخزٍ، مكتفيًا ببيانات الشجب الخجولة، أو متواطئًا بالصمت، أو شريكًا في الجرائم عبر استمرار الدعم العسكري والسياسي للاحتلال.
دعوة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه:
في ختام بيانه، طالب المكتب الإعلامي الحكومي المؤسسات الدولية، الحقوقية والإنسانية، بالتحرك العاجل لوقف المجازر، وفرض إجراءات دولية فورية لحماية المدنيين، وإنقاذ من تبقى منهم من الموت المحقق.
لكن الواقع يقول إن غزة تُذبح بصمت، وإن بيانات القلق لن تردم المقابر، ولا تنقذ الأطفال المحاصرين بالجوع والخوف.
خاتمة:
ما يجري في غزة ليس صراعًا عسكريًا، بل عملية تطهير جماعي تنفذها إسرائيل بحق شعب أعزل. والمجزرة الأخيرة التي حصدت 63 شهيدًا في صباح واحد ليست سوى صفحة جديدة في سجل طويل من الوحشية، فهل يتحرك العالم قبل أن يُمحى القطاع من الخريطة، سكانًا وبنيةً وأحلامًا؟
اقرا أيضًا : الحصار الإسرائيلي يقتل بالجوع: كبار وصغار غزة ضحايا سوء التغذية وصمت العرب