تتغير علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل من داخل المجتمع الأمريكي نفسه، لا فقط من داخل مكاتب السياسة في واشنطن. فالدعم غير المشروط الذي تمتعت به إسرائيل لعقود لم يعد محصنًا كما كان، والرواية التي صوّرت إسرائيل باعتبارها “دولة صغيرة محاصرة” تتعرض اليوم لانهيار متسارع أمام وعي مجتمعي جديد، خصوصًا بين الأجيال الصاعدة التي رأت الإبادة في غزة مباشرة، ولم تعد تقبل تبريرات الاحتلال أو خطاب “الدفاع عن النفس” كغطاء دائم للقتل والتجويع والحصار.
يذهب كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لهيومان رايتس ووتش، في مقاله إلى أن تحولًا جيليًا عميقًا يجري داخل الولايات المتحدة في ما يتعلق بإسرائيل. هذا التحول لم يبدأ مع الحرب على إيران، لكنه تسارع معها. فالإبادة في غزة كشفت حجم التواطؤ الأمريكي، بينما أظهر اندفاع بنيامين نتنياهو نحو التصعيد الإقليمي أن إسرائيل لم تعد فقط عبئًا أخلاقيًا على واشنطن، بل بدأت تتحول أيضًا إلى عبء سياسي واستراتيجي.
لوقت طويل، كانت الرواية الإسرائيلية تملك حصونًا قوية داخل الغرب: دعم سياسي أمريكي، حماية داخل الكونغرس، نفوذ اللوبيات، خطاب ديني إنجيلي، إعلام متعاطف، وقدرة مستمرة على ابتزاز أي نقد بوصفه عداءً للسامية. لكن هذه الحصون لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها. الصور القادمة من غزة، أرقام الضحايا، سياسة التجويع، تدمير الأحياء، واستهداف المدنيين، صنعت وعيًا جديدًا لا يتلقى الرواية الإسرائيلية كحقيقة جاهزة، بل يراها كجزء من ماكينة تبرير الاحتلال.
التحول الأهم هنا ليس أن بعض السياسيين أصبحوا أكثر جرأة في انتقاد إسرائيل، بل أن القاعدة الاجتماعية التي كانت تمنح إسرائيل شرعية تلقائية بدأت تتآكل. استطلاع Pew الذي يستند إليه المقال أظهر أن 60% من الأمريكيين باتت لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بعد ارتفاع واضح خلال السنوات الأخيرة. وبين الديمقراطيين والمستقلين المائلين للحزب الديمقراطي، تصل النظرة السلبية إلى 80%. وحتى داخل القاعدة الجمهورية، حيث ظل الدعم لإسرائيل قويًا بفعل التيار الإنجيلي، تظهر فجوة عمرية واضحة؛ إذ إن غالبية الجمهوريين بين 18 و49 عامًا باتت لديها نظرة سلبية تجاه إسرائيل.
هذه الأرقام ليست تفصيلًا استطلاعيًا عابرًا. إنها مؤشر على أن إسرائيل تخسر المستقبل السياسي داخل الولايات المتحدة. فالأجيال التي تصعد الآن إلى الجامعات، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والحملات الانتخابية، ثم إلى مواقع القرار لاحقًا، لا تحمل الذاكرة السياسية نفسها التي حكمت أجيال الحرب الباردة. لم تكبر هذه الأجيال على صورة إسرائيل كحليف “ديمقراطي” في مواجهة الخطر السوفيتي أو العربي، بل على مشاهد غزة، والأبارتهايد، والمستوطنات، والاحتلال، والحصار، والقتل الجماعي.
في الماضي، كان مجرد انتقاد إسرائيل داخل واشنطن مخاطرة سياسية. حين أصدرت Human Rights Watch تقريرها عام 2021 عن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قوبل التقرير عالميًا بجدية واسعة، لكنه سقط في واشنطن كأنه جسم غريب. لم تكن المشكلة في الأدلة، بل في الحصانة السياسية التي كانت تحيط بإسرائيل وتمنع الاعتراف بما تراه مؤسسات حقوقية دولية بوضوح: نظام هيمنة واضطهاد ممنهج ضد الفلسطينيين.
لكن غزة غيّرت المعادلة. الإبادة لم تترك مساحة كافية للدعاية القديمة. لم يعد ممكنًا إقناع قطاعات واسعة من الشباب بأن قتل عشرات الآلاف، وتجويع السكان، وتدمير المستشفيات والمخيمات والأحياء، يمكن أن يندرج ببساطة تحت عنوان “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. ومع كل مجزرة، كانت الرواية الإسرائيلية تخسر جزءًا من قدرتها على التحكم بالوعي العام.
حتى جو بايدن، الذي قدّم لإسرائيل غطاءً سياسيًا وعسكريًا واسعًا خلال الإبادة، بدا في نظر روث متأخرًا عن التحول داخل حزبه ومجتمعه. فرغم إيقافه تسليم قنابل زنة 2000 رطل، واصل تدفق المساعدات العسكرية والمبيعات، ولم يستخدم النفوذ الأمريكي الهائل لوقف سياسة التجويع أو فرض شروط حقيقية على إسرائيل. وبدل الضغط لوقف الجريمة، لجأت إدارته إلى حلول شكلية مثل الرصيف البحري لإيصال المساعدات، بينما كانت المجاعة تتفاقم.
هذا التواطؤ لم يعد يمر بلا تكلفة. داخل الحزب الديمقراطي، تتحول إسرائيل تدريجيًا من قضية إجماع إلى عبء انتخابي. في انتخابات نيويورك التمهيدية، كما يشير المقال، لم يعد دعم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ميزة تلقائية، بل أصبح نقطة ضعف يستغلها المرشحون ضد خصومهم. مرشحون فائزون تحدثوا علنًا عن الإبادة والأبارتهايد، وهاجموا نفوذ AIPAC بدل أن يطلبوا ودّه. في مدينة تضم أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل، لم يعد تأييد إسرائيل شرطًا للنجاة السياسية كما كان في السابق.
هذه النقطة بالذات تكشف حجم الانقلاب في المزاج العام. فالمسألة لم تعد محصورة في النشطاء أو الجامعات أو الحركات التضامنية، بل بدأت تدخل الحسابات الانتخابية الفعلية. وإذا كان سياسيون من الجيل القديم مثل تشاك شومر ما زالوا متمسكين بخطاب الدعم التقليدي، فإن مستقبل الحزب الديمقراطي يتحرك في اتجاه مختلف: إنهاء الشيك المفتوح لإسرائيل، ورفض التواطؤ الأمريكي في الإبادة، والاعتراف بأن الاحتلال والأبارتهايد وجرائم الحرب ليست قضايا هامشية يمكن دفنها تحت لغة “الأمن”.
أما داخل اليمين الأمريكي، فالصورة أكثر تعقيدًا لكنها ليست ثابتة. القاعدة الإنجيلية القديمة ما زالت توفر لإسرائيل سندًا مهمًا، لكن صعود تيار “أمريكا أولًا” داخل الحركة الجمهورية خلق توترًا جديدًا. هذا التيار لا ينظر دائمًا إلى الحروب الإسرائيلية باعتبارها مصلحة أمريكية، ويرى في التورط العسكري الخارجي عبئًا على الولايات المتحدة. الحرب مع إيران سرّعت هذا التوتر، لأن نتنياهو، وفق روث، دفع ترامب إلى مغامرة مكلفة دون خطة واضحة، ثم حاول إفساد مسارات التفاوض مع طهران عبر تصعيدات متكررة.
هنا تتكشف فجوة جديدة: المصالح الأمريكية والإسرائيلية لم تعد متطابقة كما يحاول الخطاب التقليدي تصويرها. ترامب يريد وقف إطلاق نار وترتيبات تجارية في الخليج، ونتنياهو يريد حربًا مفتوحة. واشنطن تريد خفض الكلفة السياسية والعسكرية، بينما يعيش نتنياهو على منطق التصعيد الدائم. حتى داخل إدارة يمينية، بدأت إسرائيل تظهر لا كحليف مضمون، بل كطرف يجرّ الولايات المتحدة إلى أزمات لا تريدها.
التحول الجيلي الذي يتحدث عنه روث لا يعني أن إسرائيل ستفقد الدعم الأمريكي غدًا، لكنه يعني أن الأساس الأخلاقي والسياسي لهذا الدعم يتشقق بعمق. نتنياهو نفسه يدرك ذلك حين يتحدث عن ضرورة فطام إسرائيل تدريجيًا عن المساعدات العسكرية الأمريكية. لكنه يظن أن ذلك يمكن أن يحدث خلال عقد. الحقيقة أن إسرائيل قد لا تملك هذا الترف الزمني إذا وصلت إدارة ديمقراطية جديدة تعبّر بجدية عن التحول داخل قواعد الحزب.
الأزمة الأعمق أن تغيير نتنياهو وحده لن ينقذ إسرائيل من عزلتها إذا بقيت السياسات كما هي. فالمشكلة لم تعد فقط في شخصية رئيس وزراء متطرف أو فاسد أو أسير لليمين الديني؛ المشكلة في بنية كاملة تقوم على احتلال لا ينتهي، ورفض حق الفلسطينيين في تقرير المصير، والتعامل مع كل مقاومة فلسطينية باعتبارها تهديدًا أمنيًا معزولًا عن جذوره السياسية. لذلك يشير روث إلى أن أي مراجعة حقيقية يجب أن تشمل خطوات جذرية، حتى لو وصلت إلى تسليم نتنياهو للمحكمة الجنائية الدولية كما فعلت صربيا مع سلوبودان ميلوسيفيتش.
ما ينهار اليوم ليس فقط صورة إسرائيل، بل المنظومة التي حمت هذه الصورة. الرواية التي نجحت لعقود في تقديم الاحتلال كدفاع، والفصل العنصري كأمن، والحصار كضرورة، والفلسطيني كخطر دائم، لم تعد قادرة على ضبط الوعي العالمي كما فعلت سابقًا. في المقابل، تصعد لغة جديدة بين الأجيال الشابة: فلسطين ليست “قضية معقدة” بمعنى يمنع الحكم الأخلاقي، بل شعب واقع تحت الاحتلال والتجويع والقتل والتهجير.
الأجيال الصاعدة لا ترى إسرائيل كما أرادت لها الدعاية القديمة أن تُرى. تراها دولة تملك جيشًا نوويًا ودعمًا أمريكيًا هائلًا وتتحكم في حياة شعب محاصر ومحتل. تراها قوة احتلال لا ضحية دائمة. وتدرك أن السلام لا يبدأ من مطالبة الفلسطينيين بالخضوع، بل من إنهاء الاحتلال والاعتراف بإنسانيتهم وحقهم في الدولة والحرية.
لهذا، فإن تراجع الدعم غير المشروط لإسرائيل ليس مجرد تغير في المزاج، بل بداية حساب سياسي جديد. فحين يصبح دعم إسرائيل مكلفًا انتخابيًا وأخلاقيًا، وحين يكبر جيل يعتبر الإبادة في غزة لحظة تأسيسية في وعيه السياسي، فإن واشنطن لن تستطيع إلى الأبد أن تقدم لإسرائيل الغطاء نفسه بلا مساءلة.
حصون الرواية الإسرائيلية تتهاوى لأنها قامت على إنكار الواقع. والواقع اليوم صار مرئيًا أكثر من أي وقت مضى: احتلال، أبارتهايد، إبادة، وتجويع شعب تحت الحصار. أما الجيل القادم، الذي سيتولى مواقع القرار في الإعلام والسياسة والجامعات والمؤسسات، فلن يرث بالضرورة ولاء الأجيال السابقة لإسرائيل، بل سيرث ذاكرة غزة، وصور الضحايا، وسؤالًا لن يختفي: كيف سُمح لكل هذا أن يحدث باسم “الدفاع عن النفس”؟