في ظل التصعيد المتواصل في الضفة الغربية، ومع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية المنظمة التي تجمع بين وحشية المستوطنين وتواطؤ الجيش، دعت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” إلى تشكيل لجان حماية رسمية وشعبية عاجلة لردع هذه الهجمات، معتبرة أن ما يجري من “جرائم يومية بحق الفلسطينيين” لم يعد يحتمل صمتًا أو ارتباكًا في الموقف السياسي والأمني الرسمي، في إشارة واضحة إلى غياب الدور الفعلي للسلطة الفلسطينية في حماية المواطنين.

الضفة تحت النار: كفر مالك نموذجًا

الهجوم الأخير الذي شنّه المستوطنون الإسرائيليون على بلدة كفر مالك شمال شرق رام الله كان صادمًا، ليس فقط في دموية نتائجه، بل في رمزيته أيضًا. فقد قُتل ثلاثة فلسطينيين وأُصيب عشرة آخرون بينهم حالة خطرة، وسط اقتحام المستوطنين للبلدة تحت حماية قوات الاحتلال. المشاهد التي وثقتها الكاميرات كانت دامغة: إحراق منازل، تدمير مركبات، وطلقات نارية مباشرة على الأهالي العزّل الذين حاولوا الدفاع عن بلدتهم بوسائل بدائية.

الهلال الأحمر الفلسطيني بدوره وثّق في أريحا إصابة ثمانية فلسطينيين بالاختناق نتيجة حرق المستوطنين لمنزل فلسطيني آخر، ما يعكس اتساع رقعة الهجمات من شمال الضفة إلى جنوبها، ومن القدس إلى الأغوار.

لكن الأخطر من كل ذلك هو أن هذه الاعتداءات لم تكن عفوية، بل امتدادًا لحملة ممنهجة بدأت منذ أشهر، وزادت وتيرتها بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، توازيًا مع الحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة. فالمستوطنون باتوا يُشكّلون جيشًا رديفًا، يفرض الوقائع على الأرض بدعم علني من جيش الاحتلال، وسط تراجع ملموس في أي ردع فلسطيني رسمي.

غياب السلطة وعودة اللجان الشعبية

في هذا السياق، جاءت دعوة “حماس” لتشكيل لجان حماية شعبية ورسمية باعتبارها ردًا طبيعيًا على تقاعس السلطة الفلسطينية، بل وتواطئها أحيانًا في قمع المقاومة الشعبية بدلًا من حماية الفلسطينيين. فقد دعت الحركة صراحة السلطة وأجهزتها الأمنية إلى “أخذ دورها الطبيعي في حماية الشعب، والإفراج الفوري عن كافة المقاومين والمعتقلين السياسيين لديها”، وهو اتهام متكرر في الآونة الأخيرة يعكس شرخًا عميقًا في الثقة بين الشعب ومؤسسات الحكم في رام الله.

هذا النداء يأتي في وقت أظهرت فيه الإحصائيات الرسمية من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن المستوطنين ارتكبوا 415 اعتداء في الضفة فقط خلال شهر مايو/أيار الماضي، تتراوح بين الهجمات المسلحة، تجريف الأراضي، اقتلاع الأشجار، إعدامات ميدانية، وصولًا إلى الاستيلاء على الممتلكات والحواجز التي تقطّع أوصال الضفة الغربية وتحوّلها إلى كانتونات معزولة.

ويؤكد مراقبون أن إنشاء لجان شعبية محلية للدفاع عن البلدات، على غرار ما كان معمولًا به خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، قد يكون خيارًا واقعيًا وضروريًا في ظل تفاقم الاعتداءات. فهذه اللجان تعمل على توثيق الانتهاكات، تنظيم الحراسات الليلية، وتوفير آليات إنذار مبكر لأي هجمات، مما يعزز الصمود المحلي ويعيد زمام المبادرة إلى المجتمعات.

تصعيد متزامن مع غزة.. وساحة الضفة على وشك الانفجار

ما يجري في الضفة الغربية ليس حادثًا عابرًا ولا مجرد اضطرابات أمنية متفرقة. فبعد أكثر من ثمانية أشهر على بدء العدوان على غزة، والذي خلّف بحسب الإحصائيات الفلسطينية أكثر من 188 ألف شهيد وجريح، و11 ألف مفقود، تحولت الضفة الغربية إلى ساحة اشتعال موازية، يستخدمها الاحتلال لفرض سياسة “الضغط المتعدد الجبهات” على الفلسطينيين.

عدد الشهداء في الضفة منذ أكتوبر الماضي تجاوز 986 شخصًا، إضافة إلى أكثر من 7 آلاف جريح، معظمهم سقطوا في هجمات للمستوطنين أو إطلاق نار مباشر من جيش الاحتلال أثناء اقتحام البلدات. ورغم هذا التصعيد الهائل، لم يظهر أي تحرك حقيقي من السلطة الفلسطينية، سوى بيانات إدانة شكلية ومناشدات للمجتمع الدولي الذي فقد تأثيره منذ زمن.

بل وتتهم جهات حقوقية ودولية، السلطة بالتقاعس عن حماية المدنيين، والانشغال بقمع التظاهرات والأنشطة الشعبية المطالبة بالتصعيد في وجه الاحتلال. بينما يواصل المستوطنون – بدعم رسمي من الحكومة الإسرائيلية المتطرفة – تنفيذ مخططات التهجير والتهويد، خاصة في مناطق “ج”، والقدس، والأغوار.

ختام: هل تعود المقاومة الشعبية إلى الواجهة؟

دعوة حماس لتشكيل لجان شعبية ليست مجرد رد فعل طارئ، بل تعبير عن تحوّل استراتيجي في طبيعة المواجهة بالضفة، وعودة إلى نماذج المقاومة المجتمعية، بعد أن فشلت السلطة في فرض الحماية والردع. ومع تصاعد جرائم المستوطنين، وتحوّلهم إلى ميليشيات مسلحة، فإن عودة المقاومة الشعبية باتت مطلبًا جماهيريًا، ومخرجًا واقعيًا في ظل العجز العربي والدولي.

وإذا استمرت السلطة الفلسطينية في غيابها عن المشهد الأمني والسياسي في الضفة، فإن الساحة مرشحة للانفجار في أي لحظة، لا سيما في ظل تزايد الدعوات لتوسيع المواجهة لتشمل كافة نقاط التماس، وتفعيل أدوات المقاومة بكافة أشكالها.

فالرسالة التي يرسلها أهالي كفر مالك، والقرى المجاورة، هي أن الشعب الفلسطيني لم ولن يكون ضحية صامتة، لا أمام المحتل، ولا أمام السلطة التي فقدت دورها. وإن كان الاحتلال يراهن على الإرهاب المنظم، فإن الفلسطينيين يراهنون على الصمود والتنظيم الشعبي، الذي أثبت في كل مرة أنه أقوى من الرصاص.

اقرأ أيضًا : عمليات نوعية شرق خانيونس.. القسام يبعث برسائل نارية في عام المقاومة الثاني