القصة المظلمة لزينب جوادلي تنفجر مرة أخرى، بعدما نشرت طليقة الشيخ سعيد بن مكتوم بن راشد آل مكتوم – ابن شقيق حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم – فيديو صادماً في نوفمبر 2025 تعلن فيه محاولتها الهروب مع بناتها بعد أن خطفهن والدهن، وعرّضهن – بحسب ما قالت – لسلسلة من الانتهاكات والترهيب داخل دبي.
تقول زينب إنها لم تعد آمنة، وإن الشرطة داهمت منزلها مراراً، وإنها تعيش مع بناتها كما لو أنهن “رهائن”، وتكشف أنها تركت كل الأدلة في حوزة محام بريطاني، وأن أي مكروه سيحدث لها سيُفجِّر الفضيحة على رؤوس الجميع.
من لطيفة… إلى هيا… إلى زينب اليوم – النمط واحد، والسؤال أكبر:
إلى متى يظل البيت الحاكم في دبي بلا مساءلة بينما نساؤه يهربن بحثاً عن النجاة؟
بيتٌ يصدّر “مدينة الأحلام” ويخفي كابوس النساء
تحاول دبي منذ سنوات تسويق نفسها بوصفها مدينة منفتحة وآمنة للنساء، وواجهة لـ”التمكين” و”التسامح”. لكن خلف واجهات الزجاج والأبراج اللامعة، تتكشف سلسلة من القصص المروعة لنساء من الأسرة الحاكمة أو محيطها، انتهى بعضهن مختطفات ومختفيات، وبعضهن هاربات يطلبن الحماية في محاكم غربية أو أمام كاميرات الهاتف.
ما تكشفه قضية زينب جوادلي اليوم ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سجل طويل من الانتهاكات التي طالت الشيخات شمسة ولطيفة ابنتي حاكم دبي، ثم الأميرة هيا بنت الحسين زوجته السابقة، وها هي تطال الآن زوجة سابقة لابن أخيه. الجيل الجديد من الأمراء يسير على نهج الجيل القديم ذاته: السيطرة المطلقة، العنف عند التمرد، وتوظيف أجهزة الدولة لسحق أي امرأة تجرؤ على قول “لا”.
زينب جوادلي… رياضية سابقة تحولت إلى “رهينة” في دبي
زينب جوادلي، لاعبة جمباز أذربيجانية سابقة، تزوجت من الشيخ سعيد بن مكتوم عام ٢٠١٥ وأنجبت منه ثلاث بنات. بعد الطلاق في ٢٠١٩ دخلت في نزاع حضانة تحوّل تدريجياً إلى كابوس ممتد.
بحسب ما وثقته في مقاطع مصورة قبل ثلاث سنوات، ثم في الفيديو الأخير في نوفمبر ٢٠٢٥، تعيش زينب تحت حصار أمني وقانوني: مداهمات شرطية متكررة، مصادرة أجهزتها التي تحوي أدلة على التعسف، اعتقال والدها العجوز خلال إحدى المداهمات، وتهديد دائم بسحب بناتها منها إن حاولت الخروج عن “الشروط” المفروضة عليها.
تصف زينب حياتها بعبارة واحدة: “نحن رهائن”.
قدمت شكاوى إلى السلطات في دبي، لكن نفوذ طليقها كفيل بإغلاق الأبواب. لذلك انتقلت المعركة إلى ساحات أخرى: شكاوى لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ومحامون في أوروبا يحتفظون بالوثائق تحسباً لأي مكروه يصيبها. الفيديو الأخير لم يكن استغاثة عابرة بقدر ما كان إعلاناً عن أن القصة لم تعد قابلة للكتم، وأن اسم الشيخ سعيد سينضم إلى قائمة سوداء بدأت بوالده وعمّه.
شمسة ولطيفة… الاختطاف العابر للحدود كأداة “تأديب”
قبل زينب بعقود، سبقت الشيخة شمسة بنت محمد بن راشد إلى التمرد. في صيف 2000 هربت من إقامة عائلية في إنجلترا، بحثاً عن حياة حرة خارج قبضة والدها. خلال أسابيع، اختطفت من شارع في كامبريدج على يد رجال تابعين للأسرة، نُقلت إلى بيت ريفي ثم إلى دبي بطائرة خاصة، ومنذ ذلك الحين اختفت عن الأنظار.
تحقيق الشرطة اصطدم بجدار دبلوماسي، لكن القضاء البريطاني عاد في 2020 ليؤكد بصورة قاطعة أن الشيخ محمد هو من دبّر اختطاف ابنته وإعادتها قسراً إلى الإمارات، حيث لا تزال – وفق الحكم – محرومة من حريتها.
شقيقتها لطيفة حاولت أن تكسر القيد مرتين؛ الأولى عام 2002 حين حاولت عبور الحدود إلى عُمان، فتم توقيفها وسجنها في عزلة لسنوات، تعرضت خلالها للضرب والتعذيب؛ والثانية في 2018 حين هربت بحراً على متن يخت بمساعدة أصدقاء، وسجلت فيديو شهيراً قالت فيه إن والدها “مستعد لقتل الناس من أجل سمعته”.
قوات كوماندوز هندية بالتنسيق مع الإمارات حاصرت اليخت قبالة غوا، واختُطفت لطيفة وهي تصرخ “اقتلوني هنا ولا تعيدوني إلى دبي”.
أُعيدت الأميرة قسراً، وانقطعت أخبارها شهوراً، قبل أن تُهرّب مقاطع مصورة من فيلا تحولت إلى سجن، تقول فيه: “أنا رهينة… حياتي ليست بيدي”.
هذه القصص ليست روايات معارضة، بل استنتاجات قضائية؛ فالقاضي البريطاني نفسه أثبت أن حاكم دبي دبّر عمليتي اختطاف دوليتين لابنتيه، وأنه حرمَهما من حريتهما رغم بلوغهما سن الرشد.
هيا بنت الحسين… حين خرجت الفضيحة من القصر إلى المحكمة
في 2019 تكررت الصورة مع فارق كبير: هذه المرة مع أميرة عربية ذات ثقل سياسي، هي هيا بنت الحسين، ابنة ملك الأردن الراحل وزوجة محمد بن راشد السابقة.
هربت هيا من دبي إلى لندن مصطحبة طفليها بعد أن تيقنت من مصير ربيبتيها شمسة ولطيفة، ووقوف زوجها خلف اختطافهما وإخفائهما. في لندن فتحت معركة قضائية غير مسبوقة، عرضت خلالها الأدلة على نمط من التهديد والترهيب، والتجسس على هاتفها عبر برنامج “بيغاسوس”، وتهديدات مباشرة بسحب أطفالها منها.
القضاء البريطاني وصف سلوك حاكم دبي بأنه “إساءة أسرية جسيمة”، ومنحه لقباً غير رسمي لكنه مهم: رجل استخدم دولة كاملة – أجهزتها الأمنية وقدراتها التقنية – في حرب شخصية ضد زوجته وبناته.
منح الحكم هيا حضانة طفليها ومنع الشيخ من الاقتراب منهما، وألزمه بتسوية مالية قياسية لتأمين حماية الأم وولديها. لكن الأهم أن الحكم ثبت في السجل القضائي الدولي صورة مختلفة تماماً عن صورة “الحاكم الإصلاحي” التي سوّقها الإعلام الإماراتي.
نمط واحد… من محمد إلى سعيد
إذا وضعنا قضيتي شمسة ولطيفة إلى جانب قضية هيا، ثم أضفنا إليهن معاناة زينب اليوم، تتكشف أمامنا صورة نمطية لا تخطئها العين إذ كل امرأة تحاول الهروب أو الاعتراض تُواجَه أولاً بالتكذيب والتشهير، ثم بالعنف، ويُستخدم الاختطاف العابر للحدود، أو الحبس القسري داخل فيلا محروسة، كوسيلة “تأديب”، وتُستَخدم أجهزة الدولة – الشرطة، الأمن، القضاء، تكنولوجيا المراقبة – لخدمة نزاع شخصي داخل الأسرة الحاكمة، والأكثر قسوة هو أن يُستهدَف الأطفال كسلاح ضغط على الأمهات.
المقلق اليوم أن هذا النموذج لم يعد مرتبطاً بشخص واحد؛ فمع زينب نرى نجل شقيق الحاكم يعيد إنتاج السلوك ذاته: استغلال النفوذ لسحق زوجة سابقة، وتحويل النزاع الأسري إلى معركة أمنية.
قانون بلا حماية… ودولة بلا مساءلة
هذه القضايا لا يمكن فصلها عن طبيعة المنظومة القانونية في الإمارات، حيث لا وجود فعلي لمسار قانوني مستقل يمكن للنساء الاحتكام إليه عندما يكون الخصم من أصحاب النفوذ. فالقوانين – مهما كانت صياغتها – تبقى بلا قيمة في ظل غياب قضاء نزيه قادر على مساءلة أفراد الأسرة الحاكمة أو فتح تحقيق يمسّهم.
وعندما يكون المعتدي أميرًا أو مسؤولًا رفيعًا، تتوقف عجلة العدالة تمامًا: الشرطة لا تقترب، والنيابة لا تتحرك، والمحاكم لا تجرؤ على النظر في الشكاوى. كل شيء يُعاد تصنيفه باعتباره “شأنًا عائليًا” مغلقًا، مهما كانت خطورة الانتهاكات أو فظاعتها.
المشكلة ليست في النصوص القانونية، بل في أن القانون نفسه معطّل أمام السلطة، ولا يُطبّق إلا على من هم خارج دائرة النفوذ. وهذا ما يجعل أي امرأة في مواجهة أحد أفراد آل مكتوم بلا حماية حقيقية، وبلا جهة رسمية تستطيع اللجوء إليها، وبلا عدالة يمكنها إنصافها.
لذلك اضطرّت شمسة ولطيفة للاعتماد على شرطة وقضاء أجنبيين؛ واضطرّت هيا للجوء إلى محكمة بريطانية؛ واضطرت زينب إلى مخاطبة الأمم المتحدة ومحامين في لندن. داخل دبي، لا توجد مؤسسة يمكن أن تقف بين امرأة وظل أسرة آل مكتوم.
صورة دبي بين البرج اللامع والقبو المعتم
كل هذه القصص تصطدم مباشرة بالسردية الرسمية التي تقدم دبي كـ”مدينة للنساء الناجحات”.
في المؤتمرات تُرفع شعارات التمكين، وفي الأبراج تُضاء ألوان اليوم العالمي للمرأة، وفي الواقع تُخطف الأميرة من شوارع كامبريدج، وتُقتحم اليخوت في عرض البحر، وتُداهم شقق زوجة سابقة في منتصف الليل ليُسحب هاتفها وأطفالها.
فضيحة زينب تضيف طبقة جديدة من التناقض: نحن لسنا فقط أمام حاكم يستخدم الدولة ضد أسرته، بل أمام عائلة كاملة يمارس أفرادها السلوك نفسه جيلاً بعد جيل.
ما معنى أن تتباهى دبي ببناء أكبر الأبراج وأكبر المراكز التجارية بينما تعجز عن توفير أبسط حقوق امرأة داخل قصر حاكمها أو بيته؟
وكيف يمكن لحكومات غربية تتحدث عن حقوق الإنسان أن تستمر في استقبال هؤلاء الحكام بالأحضان، بينما أحكام محاكمها نفسها تقول إنهم مسؤولون عن اختطاف وتعذيب نساء من أسرهم؟
من زينب إلى كل امرأة بلا صوت
قضية زينب جوادلي اليوم ليست مجرد “خلاف أسري” في بيت ملياردير، بل مرآة تكشف بنية سلطة تعتبر المرأة جزءاً من ممتلكاتها الخاصة: إن أطاعت بقيت في الصورة، وإن تمرّدت أُخرجت من الحياة العامة، وإن هربت لاحقتها الأذرع الأمنية حتى آخر ميناء.
وأن فكرنا بشكل أوسع يمكننا أن نتصور كيف أن المدينة بأكلمها مبنية علي القمع حيث حرية الرأي والتعبير جريمة لا تغتفر، ومخالفة هوى النظام ولو تلميحا قد تقود صاحبها إلى الموت.
وعودة إلى شمسة ولطيفة إلى هيا وزينب، يتكرر السؤال نفسه:
من يحاسب آل مكتوم؟
وحتى يُطرح هذا السؤال بجدية على طاولة السياسة الدولية لا في مقالات الرأي فقط، ستظل الإمارة التي تبيع صورة “جنة حديثة” تخفي وراء أسوار قصورها قصص نساء يحوَّلن من زوجات وأميرات إلى رهائن، ومن ضحايا إلى متهمات، في دولة فيها سلطة العائلة هي سلطة الدولة بلا أي خط فاصل وبلا قانون.