تتواصل الارتدادات المدوية والفضائح التنظيمية التي تضرب أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قبل أيام معدودة من انطلاق نهائيات كأس العالم 2026؛ إثر إقدام السلطات الأمريكية على ارتكاب تجاوز صارخ تمثل في منع الحكم الدولي الصومالي، عمر عبد القادر عرتن، من دخول أراضيها عبر مطار ميامي، تفعيلاً لسياسات الهجرة العنصرية وقوائم حظر السفر التي أعادت إدارة الرئيس دونالد ترامب فرضها. 

وفجّرت هذه الحادثة أزمة دبلوماسية ورياضية كبرى وضعت التعهدات الأمريكية والنزاهة الرياضية الدولية على المحك، وسط اتهامات صريحة لواشنطن بانتهاك الأعراف والمواثيق الجوهرية المنظمة لأكبر حدث كروي في العالم.

وفي هذا السياق، دخل الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جوزيف بلاتر، على خط المواجهة الساخنة، موجهاً قذائف نقدية حادة إلى السلطات الأمريكية وإدارة الفيفا الحالية برئاسة جياني إنفانتينو. 

وفي تصريحات نارية خص بها صحيفة “ليكيب” الفرنسية، هاجم بلاتر الغطرسة الأمريكية قائلاً: “من غير المعقول أو المقبول أن تعمد دولة مستضيفة لكأس العالم إلى منع دخول حكم دولي معتمد رسمياً من الفيفا”، مؤكداً أن تسييس الرياضة واستعراض العضلات السيادية يمثلان طعنة في خاصرة قيم اللعبة، وأن منح تأشيرات وتسهيل دخول كافة الكوادر المعتمدة يُعد من الالتزامات القانونية والجوهرية الصارمة التي وافقت عليها واشنطن لنيل شرف الاستضافة.

11 ساعة من الاحتجاز والإهانة

وكان الحكم الدولي عمر عرتن قد دخل التاريخ الرياضي كأول صومالي يجري اختياره ضمن النخبة الإفريقية لإدارة مباريات المونديال، وحظي بإشادات رسمية واسعة في بلاده باعتباره ملهماً للجيل الجديد. إلا أن الأوهام الأمريكية حول “الأمن القومي” حوّلت الحلم إلى كابوس؛ حيث خضع عرتن عقب وصوله لمطار ميامي لاستجواب مهين وقاسٍ استمر لأكثر من 11 ساعة متواصلة من قبل عناصر الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، قبل أن يتم نقله إلى مركز احتجاز لعدة ساعات، ومن ثم ترحيله قسراً على متن رحلة متجهة إلى إسطنبول، بذريعة إدراجه ضمن تصنيفات التهديد أو التدابير الصارمة المفروضة على رعايا بعض الدول النامية والمستضعفة.

ولم يتوقف الهجوم عند السياسة الأمريكية المتغطرسة، بل امتد ليفضح ضعف وتواطؤ رئيس الفيفا الحالي جياني إنفانتينو؛ حيث لمّح بلاتر إلى أن العلاقة الشخصية والوثيقة التي تجمع إنفانتينو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب شلّت قدرة الاتحاد الدولي على اتخاذ موقف حازم. وأكد بلاتر أنه كان ينبغي على الفيفا الدفاع المستميت عن استقلالية المؤسسة وحماية حكامها بدلاً من الاكتفاء ببيانات رمادية “تغسل فيها يديها” من التبعات الدبلوماسية بدعوى عدم التدخل في قوانين الهجرة، معتبراً خضوع الهيئات الكروية لقرارات ترامب المزاجية سابقة تاريخية خطيرة تنهي مبدأ عالمية كرة القدم.

غضب قاري وتضامن كندي.. وبقاء واشنطن في قفص الاتهام الدولي

وأثارت الجريمة التنظيمية غضباً عارماً في الشارع الرياضي الإفريقي والعربي؛ حيث حظي عرتن باستقبال رسمي وشعبي حاشد كالأبطال فور عودته إلى العاصمة مقديشو حاملاً علم بلاده، وسط تنديد حكومي صومالي بفشل المفاوضات مع الجانب الأمريكي المتعنت. 

وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإحراج الموقف الأمريكي، أعلنت السلطات الكندية (الشريك في الاستضافة) عن ترحيبها الكامل والعلني بوجود عرتن لإدارة المباريات التي ستقام على أراضيها، في خطوة تضامنية تعكس الانقسام الأخلاقي والتنظيمي بين الدول المضيفة جراء الحظر الأمريكي الإقصائي.

وفي الخلاصة، فإن واشنطن، وعبر بوابات مطاراتها وسياط قوانينها التعسفية، قدمت للعالم نموذجاً حياً على “البلطجة السياسية” التي لا تقيم وزناً للمواثيق الرياضية أو حقوق الإنسان والعدالة واللعب النظيف؛ إن طرد حكم دولي واحتجازه لساعات طويلة لمجرد جنسيته يثبت مجدداً أن الولايات المتحدة غير مؤهلة أخلاقياً أو تنظيمياً لاحتضان أحداث تجمع شعوب الأرض. 

وستبقى دموع الإحباط في عيني عمر عرتن وصمة عار تلاحق إدارة ترامب الصارمة، وتذكيراً صامتاً بأن الفيفا تحت قيادتها الحالية تحولت من حامية لكرامة اللعبة إلى مجرد تابع يخشى مواجهة السطوة والغطرسة الأمريكية.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين