تواصل الإمارات خسارة أدواتها الدعائية واحدة تلو الأخرى، بعدما تحولت شراكاتها الإعلامية والاستثمارية إلى عبء سياسي وأخلاقي على الجهات الغربية المرتبطة بها. وفي أحدث تطور، قررت شبكة Sky البريطانية إنهاء شراكتها التلفزيونية المباشرة مع مشروع Sky News Arabia (سكاي نيوز العربية أبو ظبي)، بعد سنوات من الجدل حول الخط التحريري للقناة، وخاصة تغطيتها للحرب في السودان والاتهامات الموجهة لها بتبييض جرائم قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات.

القرار لا يعني اختفاء اسم سكاي نيوز العربية، إذ ستحتفظ القناة بالاسم بموجب اتفاق ترخيص تجاري متعدد السنوات، لكنه يعني أن Sky البريطانية ستتخلى عن ملكيتها الاستراتيجية والتشغيلية في القناة الإخبارية العربية التي تأسست بالشراكة مع IMI، الذراع الاستثمارية التي يسيطر عليها الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الإمارات ومالك نادي مانشستر سيتي.

هذه الخطوة تكشف أن الأزمة لم تعد مجرد انتقادات حقوقية أو حملات إعلامية ضد أبوظبي، بل أصبحت عبئًا مباشرًا على المؤسسات الغربية التي ارتبطت باسم الإمارات. فالقناة التي أُطلقت عام 2012 لتنافس الجزيرة وBBC Arabic وغيرها من القنوات العربية، تحولت مع الوقت إلى نموذج واضح لاستخدام الإعلام في حماية صورة أبوظبي، لا في نقل الحقيقة.

مصدر القلق الأكبر داخل Sky كان مرتبطًا بتغطية Sky News Arabia للحرب في السودان. فقد تعرضت القناة لاتهامات واسعة بتلميع أو إنكار الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وهي القوات التي تواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم تحمل مؤشرات إبادة جماعية، بينما تلاحق الإمارات اتهامات متكررة بدعمها عسكريًا وسياسيًا، رغم نفي أبوظبي المتواصل.

وفي نوفمبر، حظرت الحكومة السودانية عمل Sky News Arabia داخل أراضيها، بعدما أرسلت القناة فريقًا إلى الفاشر، عاصمة شمال دارفور، وأنتجت تقريرًا زعم أن الوضع الأمني والإنساني هناك قد استقر. وزادت الفضيحة حين تبيّن أن مراسل القناة الموفد إلى المنطقة متزوج من مسؤولة بارزة في الحكومة الموازية التابعة لقوات الدعم السريع، ما أثار أسئلة خطيرة حول تضارب المصالح، وطبيعة الرواية التي كانت القناة تحاول تسويقها.

ولم تتوقف القناة عند هذا الحد، بل نشرت لاحقًا تقارير ومقالات تشكك في الأدلة المستندة إلى صور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين بشأن الفظائع في السودان. لكن بعثة تقصي حقائق مفوضة من الأمم المتحدة خلصت في فبراير إلى أن حصار الفاشر والسيطرة عليها واحتلالها لمدة 18 شهرًا من قبل قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها استهدفت تدمير مجتمعات عرقية بعينها، وحملت “سمات الإبادة الجماعية”.

هذا هو جوهر الفضيحة: قناة تحمل اسمًا بريطانيًا كبيرًا، لكنها تعمل من أبوظبي، وتتحرك داخل منظومة إعلامية مرتبطة بدولة متهمة بدعم طرف متورط في جرائم مروعة في السودان. ولذلك فإن انسحاب Sky من الملكية التشغيلية والاستراتيجية ليس تفصيلًا تجاريًا عابرًا، بل محاولة واضحة للنأي بنفسها عن السمعة الثقيلة التي باتت تلاحق المشروع.

الإمارات بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من النفوذ عبر الإعلام والرياضة والاستثمار والترفيه، من أجل صناعة صورة براقة تخفي خلفها سجلًا طويلًا من التدخلات والجرائم والانتهاكات. دعمت أطرافًا مسلحة في اليمن، وتورط اسمها في ليبيا والسودان والصومال، واستخدمت المال لبناء منصات إعلامية ناعمة تخدم روايتها، بينما كانت الوقائع على الأرض تكشف مشروعًا قائمًا على تفكيك الدول، وتغذية الصراعات، وشراء الصمت الدولي.

لكن ما يحدث اليوم يثبت أن السمعة لا تُشترى إلى الأبد. فكلما اتسعت الأدلة حول دور الإمارات في السودان، وكلما ظهرت علاقة أبوظبي بالميليشيات والجرائم، أصبحت الشراكة معها عبئًا على المؤسسات الغربية التي كانت تستفيد من أموالها أو علامتها أو أسواقها. لم تعد الإمارات مجرد شريك استثماري غني، بل أصبحت مصدر إحراج سياسي وأخلاقي لمن يمنحها الغطاء.

والسؤال الآن: متى تلحق بقية الجهات بهذه الخطوة؟ متى تراجع الشركات الإعلامية والرياضية والترفيهية والمالية علاقاتها مع أبوظبي؟ ومتى تتوقف المؤسسات الغربية عن التعامل مع الإمارات باعتبارها مجرد سوق مربح، وتتذكر أن هذا المال مرتبط بسياسات فتحت أبواب الفوضى في السودان واليمن وليبيا، وامتدت حتى إلى الخليج نفسه؟

فالإمارات لم تكتفِ بالعبث في الدول البعيدة، بل بدأت سياساتها تهدد جيرانها في المنطقة، من خلال تحالفات أمنية وسياسية مشبوهة، وفتح أجوائها وأراضيها أمام إسرائيل لتتحرك بحرية في قلب الخليج، في وقت تتصاعد فيه المخاطر الإقليمية. دولة تفتح أبواب المنطقة أمام الاحتلال، وتستخدم إعلامها لتبييض جرائم حلفائها، وتموّل نفوذها عبر الرياضة والاستثمار، لا يمكن أن تظل شريكًا طبيعيًا للمؤسسات التي تزعم احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي.

خروج Sky من الشراكة التشغيلية مع Sky News Arabia يجب أن يكون بداية، لا نهاية. فالمطلوب ليس فقط إعادة ترتيب عقود تجارية أو تعديل شكل الملكية، بل إنهاء كل الغطاء الذي تستخدمه الإمارات لتلميع سجلها. من الإعلام إلى الرياضة، ومن البنوك إلى شركات التكنولوجيا، ومن الجامعات إلى المنصات الثقافية، يجب أن تواجه أبوظبي كلفة سياسية حقيقية على جرائمها وتدخلاتها.

لقد حاولت الإمارات لسنوات أن تشتري لنفسها صورة الدولة الحديثة والمنفتحة والمؤثرة. لكن السودان كشف ما خلف هذه الصورة: نفوذ مسلح، إعلام موجه، أموال سياسية، وتبييض ممنهج للجرائم. واليوم، حين تبدأ مؤسسة بحجم Sky في الانسحاب من هذا العبء، يصبح السؤال الأهم: من التالي؟