أثار تحقيق نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية موجة غضب عارمة على منصات التواصل الاجتماعي، بعد كشفه عن شبكة غامضة تعمل على تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة عبر رحلات غير معتادة وبأساليب غير قانونية، تُدار من جهة تدّعي العمل الإنساني وتحمل اسم “المجد”. 

ورغم façade العمل الخيري، إلا أن المعلومات التي تكشّفت يومًا بعد يوم دفعت كثيرين للاعتقاد بأن ما يجري ليس سوى مخطط تهجير ناعم لسكان القطاع، تتورط فيه أطراف قادرة على التحكم بالمعابر والمطارات، وسط تساؤلات واسعة عن دور إسرائيل في العملية.

منظمة مجهولة.. ومخطط يبدأ من الإنترنت

وفق تحقيق هآرتس، ادعت “منظمة المجد” أنها مؤسسة إنسانية تعمل لمساعدة المجتمعات المسلمة في مناطق الحروب، لكنها لا تمتلك أي تسجيل قانوني في ألمانيا ولا في القدس الشرقية، رغم ادعائها الوجود في هاتين المنطقتين. يظهر على موقعها الإلكتروني، الذي لم يُنشأ إلا في فبراير/شباط الماضي، أن روابط التواصل الاجتماعي الخاصة بها غير فعّالة، بينما لا تحتوي قواعد البيانات الرسمية على أي سجل للمؤسسة.

الأكثر لفتًا للانتباه هو ارتباط “المجد” بشخص يدعى تومر جانار ليند، يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والإستونية، ما أثار الشبهات حول الجهة التي تقف خلف هذا النشاط، خاصة أن عمليات التهجير التي كُشفت كانت تتطلب تنسيقًا لوجستيًا وأمنيًا لا يُتاح إلا لجهات تمتلك قدرة على العمل عبر الحدود.

رحلة مشبوهة إلى جنوب أفريقيا.. بداية الانفجار

القصة انفجرت إعلاميًا بعد وصول طائرة تقل 160 فلسطينيًا من غزة إلى مطار “أو آر تامبو” في جوهانسبرغ. الرحلة، التي نُظّمت باسم “المجد أوروبا”، وُصفت بأنها منخفضة التكلفة، لكنها اتخذت مسارًا غير معتاد: نقل المسافرين إلى مطار رامون الإسرائيلي عبر حافلات إسرائيلية، ووضعهم على طائرة مجهولة الهوية هبطت أولًا في نيروبي قبل أن تتجه إلى جنوب أفريقيا.

وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد حصلت إسرائيل على إذن من “دولة ثالثة” لم يُكشف عن اسمها لاستيعاب هؤلاء الفلسطينيين، في خطوة زادت من الغموض المحيط بالقضية. وعند وصولهم، رفضت السلطات الجنوب أفريقية السماح لهم بالنزول بسبب عدم وجود أختام خروج في جوازاتهم، إلى جانب عدم تقديمهم طلبات لجوء.

انتشرت خلال ساعات مقاطع مصوّرة من داخل الطائرة، وبدأت التساؤلات تتصاعد: من نقل هؤلاء؟ ولماذا؟ وأين ستنتهي رحلتهم؟ ولماذا سافروا دون وثائق أو مسار واضح؟

اتصالات من الخارج.. ودفع بالعملات الرقمية

كشفت شهادات جمعها ناشطون أن السكان في غزة تلقوا اتصالات من أرقام أجنبية – بعضها أوروبية – تعرض عليهم الخروج من القطاع مقابل مبالغ مالية كبيرة، مع اشتراط الدفع عبر العملات الرقمية مثل USDT، “حتى لا يُعرف مكان وصول الأموال”، وفق ما ورد في هذه الشهادات.

ويرى مراقبون أن استخدام العملات الرقمية، وغياب المؤسسة عن أي سجل رسمي، يؤشران إلى وجود شبكة وسطاء تعمل في مناطق رمادية، تستغل اليأس والحصار والخوف من المستقبل.

ووصف ناشطون هذه الاتصالات بأنها “علامات على وجود شبكة تهريب منظمة”، تتجاوز مجرد مبادرة فردية أو نشاط إنساني كما تزعم “المجد”.

تواطؤ أم تهجير هادئ؟ تساؤلات مفتوحة

رحلة الخروج عبر معبر كرم أبو سالم ثم الانتقال إلى مطار رامون أثارت أسئلة أكبر من تلك التي أجابت عنها. فهذه المناطق تخضع لسيطرة أمنية مشددة، ولا يمكن لأي جهة العمل فيها دون تنسيق عالي المستوى.

ويعتقد كثيرون أن العملية لم تكن لتتم لولا وجود طرف قوي يدير التفاصيل، وهو ما دفع عددًا كبيرًا من المغردين لاتهام إسرائيل بمحاولة الهندسة الديموغرافية لقطاع غزة، عبر فتح مسارات خروج “تبدو طوعية” لكنها في الحقيقة تهجير مغطى بغلاف إنساني.

يكتب أحد النشطاء:

“الخروج بلا عودة وبدون أوراق رسمية… هذا تهجير ناعم بصيغة جديدة.”

وتقول ناشطة أخرى:

“منظمة تهجيرية استغلت حاجة الناس وأخرجتهم دون أي إثبات هوية… العملية مدبّرة.”

مصير مجهول واتهامات متصاعدة

أفادت شهادات أن بعض الركاب جُردوا من حقائبهم وممتلكاتهم، ما جعل قدرتهم على إثبات هويتهم أو العودة شبه معدومة. ويشير هذا، بحسب مراقبين، إلى أن العملية لم تكن سفرًا عاديًا، بل إعدادًا لنقلهم إلى وضع قانوني غامض قد لا يسمح لهم بالعودة إلى القطاع لاحقًا.

كل ذلك أدى إلى انتشار فرضية “التهجير الناعم”، أي إخراج الفلسطينيين من أرضهم بطرق تبدو إنسانية لكنها تؤدي في النهاية إلى تفريغ القطاع من سكانه دون إثارة صدمة دولية.

تمسّك بالأرض رغم الحصار

ورغم الضغوط الهائلة والانهيار الإنساني، أكد ناشطون فلسطينيون أن هذه الرحلات لا تمثل توجّهًا عامًا، وأن الغالبية الساحقة من سكان غزة تتمسك بأرضها ولا تفكر في مغادرتها.

كتب أحد الغزيين على منصة X:

“لو فتحوا ألف بوابة خروج، مليون غزي سيبقون. نحن لا نغادر أرضنا.”

بينما دوّن آخر:

“هذه الشبكات لا تمثل غزة… نحن ندفن أبناءنا هنا ولا نرحل.”

خاتمة: أسئلة بلا إجابات

ما كشفته هآرتس ليس سوى رأس جبل الجليد. فشبكة “المجد” ما تزال بلا عنوان ولا تسجيل ولا هوية واضحة، بينما المسارات الأمنية التي عبرها الفلسطينيون لا يمكن أن تكون بريئة أو عشوائية.

ويبقى السؤال الأكبر: هل كانت هذه العملية جزءًا من مخطط تهجير منظم؟

أم مجرد شبكة سمسرة استغلت حاجة الناس؟

حتى الآن، لا إجابة حاسمة. لكن المؤكد، أن الغزيين الذين لم يغادروا، وهم الأغلبية الساحقة، يؤكدون يومًا بعد يوم أن فكرة ترك الأرض ليست واردة، مهما اشتدت المأساة ومهما تعددت محاولات التهجير المبطن.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يستعد للمجازر من جديد.. زامير يلوّح بهجوم واسع و”الخط الأصفر“ يتحوّل إلى أداة تطويق وسيطرة