تتكشف يوماً بعد يوم الفصول الكارثية للمأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوداني جراء الهجمات الوحشية وحرب الإبادة التي تشنها ميليشيا الدعم السريع المتمردة والمدعومة إماراتياً؛ حيث تكتظ مخيمات النزوح في مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق بآلاف العائلات الفارة من جحيم الموت، محملة بجرائم حرب وشهادات مرعبة تختصر حجم الإجرام والتوحش الذي تمارسه الميليشيا المرتزقة لتشريد الآمنين وسحق مقومات الحياة في المدن والقرى السودانية.

وفي قلب هذه المعاناة، تبرز قصص مأساوية لأمهات وجدن أنفسهن يواجهن مصيراً مظلماً؛ حيث تروي إحدى الأمهات النازحات من مدينة “داندرو” كيف تحولت بلدتها إلى كابوس مرعب عقب هجمات عنيفة شنتها الميليشيا بالطائرات المسيرة والمقذوفات الثقيلة، مشيرة إلى أن أطفالها الستة شاهدوا ألسنة النيران وهي تلتهم منازلهم، والدخان يغطي السماء وسط انفجارات مرعبة دفعت الجميع للهروب هائمين على وجوههم في كل اتجاه. ولم يكن أمام هذه الأم -وهي في شهور حملها- سوى السير على الأقدام ليومين كاملين في الخلاء القاحل باتجاه الدمازين، حيث كان صغارها يسقطون أرضاً من شدة التعب والجوع، ثم ينهضون مرغمين لمواصلة السير هرباً من رصاص المتمردين.

“شربنا مياهًا فيها ديدان”.. كهوف الجبال ملاذ أخير من قمع المرتزقة

ولا تقف حدود الجريمة الإماراتية عند التهجير القسري، بل تمتد إلى التصفيات الجسدية المباشرة؛ حيث تروي أم أخرى نازحة من مدينة “الكرمك” بمرارة ليلة اقتحام مسلحي الميليشيا للمدينة، والتي تركت في وجدانها جرحاً لا يندمل بعدما أقدم المرتزقة على قتل زوجها بدم بارد أمام أعين أطفالها الثمانية، واختطاف ابنها الأكبر واقتياده إلى جهة مجهولة.

هذه العائلة المكلومة قادتها رحلة الفرار إلى الجبال الوعرة، حيث احتمت لثلاث ليالٍ كاملة داخل “الكراكر” (الكهوف الصخرية) بلا طعام أو دواء؛ وتقول بحسرة تختصر حجم الفاجعة: “كنا نشرب مياهاً فيها ديدان ورائحتها متغيرة من الحفر الصخرية، ولم يكن أمامنا أي خيار آخر للبقاء على قيد الحياة”. هذه الأيام القاسية أصابت الأطفال بالحمى والإعياء الشديد، ناهيك عن الأزمات النفسية العميقة؛ حيث يستيقظ الصغار اليوم مذعورين داخل المخيم مع أي صوت مرتفع، وكأن كوابيس الحرب والقتل انتقلت معهم.

سوء تغذية يهدد الأجنة وصدمات نفسية تُخضب كراسات الأطفال بالدماء

وتعكس الأوضاع داخل معسكرات النزوح بالنيل الأزرق وبخاصة في مخيمات الدمازين ذروة الأزمة الإنسانية؛ حيث ينتشر سوء التغذية الحاد الذي يهدد النساء الحوامل والأجنة، وتكتظ الخيام المتهالكة التي لا تقي حر النهار ولا برد الليل بالعائلات، وسط شح شديد في الغذاء والدواء والمساعدات الأساسية. ومن جانبها، حذرت أخصائية نفسية في مخيم محافظة باو للنازحين، من التداعيات النفسية الخطيرة والمستمرة على الأطفال والنساء جراء أهوال الحرب، كاشفة عن ظاهرة مقلقة وصادمة داخل المخيمات؛ إذ بات كثير من الأطفال يعبرون عن صدماتهم من خلال الرسم، وبدلاً من رسم مظاهر الطفولة الطبيعية، تمتلئ كراساتهم بطائرات مسيرة، وأسلحة، ومشاهد قتال ودماء تفوق استيعاب أعمارهم الغضة.

وفي الخلاصة، فإن هذه الشهادات المروعة لأطفال يشربون مياه الديدان وأمهات يلدن تحت وطأة الجوع وفي العراء، تضع المجتمع الدولي والإقليمي أمام مرآة مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه الجرائم التي تهندسها وتمولها أبوظبي في السودان. إن استخدام الميليشيا الإماراتية لسلاح الترويع والتصفية والتهجير لن يفلح في كسر إرادة الشعب السوداني وجيشه الوطني، وستبقى صرخات الأبرياء في مخيمات الدمازين لسان حال يطالب بمحاكمة قادة التمرد ومموليهم الدوليين الذين أحالوا أرض النيل إلى ساحة للمجازر والتشويه النفسي للأجيال القادمة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين