في حلقة جديدة من مسلسل الجرائم الإسرائيلية الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني، استشهد فلسطيني وأصيب آخر صباح اليوم الأحد، برصاص قوات الاحتلال خلال حملة اقتحامات واسعة امتدت من نابلس شمالًا إلى الخليل جنوبًا، في مشهد يعكس حجم التصعيد على الأرض وتحوّل الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة أمام سياسة القتل والحصار والاعتقال.

وقال الهلال الأحمر الفلسطيني للجزيرة إن الشهيد والمصاب سقطا خلال اقتحام قوات الاحتلال مخيم عسكر شرقي نابلس، بعدما حاصرت القوات أحياء المخيم وانتشرت بكثافة داخل أزقته، مطلقةً الرصاص الحي بشكل مباشر نحو الشبان. ووفق شهود عيان، فإن القوات اقتحمت المخيم فجرًا تحت غطاء كثيف من النيران، واعتلت أسطح المنازل، ما أثار حالة رعب واسعة في صفوف السكان، خصوصًا النساء والأطفال.

تصعيد متزامن في نابلس وطولكرم

لم يقتصر العدوان على مخيم عسكر، إذ نفذت قوات الاحتلال عمليات اقتحام متزامنة في مدينة نابلس ومحيط مخيم بلاطة شرقي المدينة، حيث شهدت المناطق مواجهات متفرقة وإغلاقًا للطرق الرئيسية.

وفي طولكرم، اعتقلت قوات الاحتلال شابًا خلال اقتحامها حارة ذياب في الحي الشرقي، وسط حملة تفتيش عشوائي داخل المنازل وتحطيم ممتلكات السكان، وهو أسلوب بات روتينيًا في عمليات الجيش التي تتعمد إلحاق أكبر قدر من الأذى بالسكان.

وتؤكد منظمات فلسطينية أن عمليات الدهم باتت تتخذ طابعًا عقابيًا جماعيًا، مستهدفة المدن والمخيمات التي تشهد نشاطًا مقاومًا، في محاولة لخلق حالة إرهاق وانهيار مجتمعي، إلا أن النتائج على الأرض تشير إلى عكس ذلك، فكل حملة اقتحام تجدد حالة الغضب الشعبي وتزيد من قوة الفعل المقاوم.

خليل تحت الحصار.. المستوطنون يستبيحون البلدة القديمة

أشدّ مشاهد اليوم قتامة كانت في مدينة الخليل، التي فرضت قوات الاحتلال عليها حصارًا خانقًا شمل الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة. يأتي هذا الحصار تمهيدًا لاحتفالات المستوطنين بما يسمى “عيد سبت سارة”، وهو مناسبة دينية يعتبرها المستوطنون مبررًا لإغلاق المدينة وتحويل حياة أهلها إلى جحيم.

الحصار أدى إلى شلّ حركة نحو 4 آلاف فلسطيني، بعدما أغلقت قوات الاحتلال مداخل الأحياء ونصبت عشرات الحواجز العسكرية. وفي الوقت ذاته، نصب مئات المستوطنين خيامًا في الطرقات المؤدية إلى الحرم الإبراهيمي، استعدادًا لمبيت آلاف منهم داخل المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

ويشير ناشطون في الخليل إلى أن الاحتلال يحوّل المناسبات الدينية اليهودية إلى ذريعة لمضاعفة التنكيل بالفلسطينيين، حيث يُمنع السكان من الدخول والخروج من منازلهم، وتُغلق المحال التجارية، بينما يُسمح للمستوطنين بالتجول بحرية تحت حماية جيش كامل التجهيز.

ضغط سياسي يحركه التطرف

في الخلفية السياسية لهذه العمليات، يواصل وزراء اليمين المتطرف في حكومة الاحتلال تحريضهم العلني ضد الفلسطينيين ورفضهم لأي مسار سياسي.

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قال اليوم إن على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يصوغ ردًا “حازمًا” يوضح للعالم أن “الدولة الفلسطينية لن تقوم أبدًا”. وكأن الاحتلال بحاجة إلى مزيد من التشدد كي يثبت ما هو قائم بالفعل من تهويد واستيطان وقمع.

هذه التصريحات ليست معزولة عن سياقها، فسموتريتش يمثل التيار الأكثر تطرفًا داخل الحكومة، وهو التيار الذي يدفع نحو ضمّ الضفة الغربية بالكامل وفرض سيادة إسرائيلية عليها. أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، فذهب لأبعد من ذلك حين دعا نتنياهو إلى إعلان رفض “أي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية”، مضيفًا أن حزبه “العظمة اليهودية” لن يكون جزءًا من أي حكومة تقبل بوجود دولة للشعب الفلسطيني.

تصريحات بن غفير وسموتريتش ليست مجرد مواقف سياسية، بل هي تغذية مباشرة لعمليات القتل على الأرض، إذ يتعامل الجنود والمستوطنون مع هذه التصريحات كضوء أخضر لممارسة مزيد من العنف.

عامان من الإبادة.. والضفة تدفع الثمن

خلال عامي الإبادة الجماعية في غزة، منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، توسع الاحتلال في ارتكاب المجازر داخل الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة. ووفق منظمات حقوقية فلسطينية، قتل الجيش الإسرائيلي والمستوطنون خلال تلك الفترة ما لا يقل عن 1072 فلسطينيًا، وأصابوا نحو 10 آلاف، واعتقلوا أكثر من 20 ألفًا، بينهم 1600 طفل.

هذه الأرقام تكشف حقيقة المشروع الاستعماري على الأرض: الاحتلال لا يكتفي بقتل الفلسطينيين في غزة تحت مسمى “محاربة حماس”، بل يمارس في الضفة سياسة قتل ممنهج تستهدف كل مظاهر الحياة، من الحركة اليومية إلى النشاط السياسي وحتى وجود السكان في مدنهم وقراهم.

خلاصة: تصعيد مفتوح بلا رادع

عمليات الدهم اليوم، من نابلس إلى طولكرم، ومن عسكر إلى الخليل، ليست مجرد نشاط عسكري، بل جزء من منظومة إجرامية موسعة تعمل على تثبيت واقع استعماري بالقوة. فالتصعيد الأمني يتزامن مع تحريض سياسي، ومع توسع استيطاني، ومع إغلاق للمدن والمخيمات، في محاولة لصناعة واقع جديد يقوم على كسر إرادة الفلسطينيين.

ورغم كل ذلك، تؤكد الأحداث اليومية أن إرادة المقاومة والصمود لم تنكسر، وأن الضفة الغربية ما تزال قلبًا نابضًا يرفض الخضوع رغم الإبادة والحصار والقتل الممنهج.

اقرأ أيضًا : النازحون يتزايدون ومسارات الإغاثة مغلقة ولا يزال بن زايد يشعل فتيل الحرب