في مشهد يجسد عمق الأزمة الليبية وتحول البلاد إلى إقطاعية عائلية تدار بقوة السلاح والدعم الخارجي، برز اسم “صدام خليفة حفتر” كقوة مهيمنة على المشهدين السياسي والعسكري في شرق وجنوب ليبيا. 

فمنذ عام 2017، وعقب إعلان والده المشير خليفة حفتر السيطرة على الشرق الليبي بدعم عسكري ومالي لا محدود من دولة الإمارات العربية المتحدة، استثمرت عائلة حفتر هذا الصعود الممزوج بالدم لتصعيد الابن صدام، الذي كان يقود الكتيبة “106” الميليشياوية، وتثبيته كذراع يمنى لوالده ووريثه الأوحد على حساب إخوته الأكبر سناً.

ولم تتوقف طموحات صدام عند تخطي الرتب العسكرية؛ إذ نال ترقيات قياسية ومتسارعة متجاوزاً كافة القوانين العسكرية ليحمل رتبة “فريق أول” ولم يتجاوز سن الأربعين بعد، وتم تعيينه نائباً للقائد العام للجيش في الشرق، ليبدأ رسمياً بتمثيل والده في المحافل الدولية والزيارات الخارجية الحساسة إلى موسكو وأنقرة والقاهرة، مقدماً نفسه كحاكم مستقبلي لليبيا.

من سرقة البنك المركزي إلى شبكات الذهب والوقود

ارتبط صعود صدام حفتر بسلسلة من الفضائح والجرائم المالية الدولية والمحلية التي وثقتها تقارير الأمم المتحدة. 

فوفقاً لتقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة لعام 2017، تورط صدام مباشرة في إصدار أوامر لميليشياته بالاستيلاء على فرع البنك المركزي في بنغازي، ونهب نحو 160 مليون يورو، و639 مليون دينار ليبي، ومليوني دولار، بالإضافة إلى آلاف القطع النقدية الفضية، وهي القضية التي أُغلقت قسراً دون تحقيق. وتأتي هذه الحادثة امتداداً لتاريخه؛ حيث أُصيب عام 2012 خلال محاولة فاشلة ومسلحة للسيطرة على مصرف “الأمان” في طرابلس للاستحواذ على أمواله.

ولم يقف طموحه الاقتصادي غير المشروع عند حدود البلاد؛ بل امتد دولياً برعاية شبكات تهريب عابرة للحدود:

  • تهريب الذهب الفنزويلي: كشفت تحقيقات أميركية وأممية نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” عن إشراف صدام على صفقة مشبوهة لشراء الذهب الرخيص من فنزويلا مقابل دولارات أميركية، مستخدماً طائرة استأجرها من شركة إماراتية، ومن ثم صهره وإعادة بيعه في السوق العالمي عبر “هيئة الاستثمارات العسكرية” التي أسسها والده وتتمتع بإعفاءات ضريبية كاملة وحق احتكاري لإمداد السفن بالوقود وتصدير الخردة.
  • إدارة شبكات التهريب وجريمة السودان: يفرض نجل حفتر نفوذاً مطلقاً على الجنوب الليبي، محولاً المنطقة إلى مركز لوجستي وقاعدة خلفية لدعم ميليشيا “قوات الدعم السريع” في السودان بالسلاح والوقود والمقاتلين عبر مطار الكفرة والقواعد الحدودية، فضلاً عن قيادته المباشرة لشبكات تهريب الوقود والمخدرات بعد إقصاء منافسيه المحليين.

شركة “أركنو” والصفقات السرية: نهب المليارات بعيداً عن القنوات الرسمية

وفي أحدث تجليات التغول المالي، كشف تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي عن توسع نجل حفتر داخل قطاع النفط الليبي عبر شبكات نفوذ موازية؛ حيث نجح في عقد صفقات ومصالح متبادلة تحت الطاولة مع إبراهيم الدبيبة (مستشار الأمن القومي لحكومة عبد الحميد الدبيبة في الغرب)، أسفرت عن تأسيس شركة خاصة تدعى “أركنو” لتصدير النفط وتقديم الخدمات النفطية بعيداً عن الأطر الرسمية والمؤسسة الوطنية للنفط.

وأكد التقرير الأممي أن شركة “أركنو” استُخدمت كواجهة مالية غامضة لتحويل أكثر من 3 مليارات دولار إلى حسابات خارج ليبيا بين يناير 2024 ونوفمبر 2025. وجرت هذه الترتيبات بتواطؤ وتسهيل من رئيس مؤسسة النفط، فرحات بن قدارة، ومهندس الصفقات رفعت العبار المقرب من صدام، وسط تداخل معقد أضعف الرقابة المالية لمصرف ليبيا المركزي، مما أدى إلى تقويض الاقتصاد الرسمي للدولة وإضعاف مؤسساتها لصالح تعزيز ميزانية الميليشيات وتغذية النزاعات المسلحة.

تقاسم السلطة برعاية أميركية: الطموح نحو الرئاسة بـ “أموال التهريب”

وبفضل الإمبراطورية الاقتصادية الهائلة وشبكات التهريب التي يديرها، انتقل صدام حفتر من العمل العسكري الميليشياوي إلى فرض شروطه على المشهد السياسي العام. فبدعم ووساطة من مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، جرى طرح مقترح لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا يقضي بإنشاء مجلس رئاسي جديد يتولى صدام حفتر رئاسته، على أن تحتفظ عائلة الدبيبة برئاسة الحكومة المدمجة.

وعلى الرغم من الرفض الواسع من المجلس الأعلى للدولة والقوى السياسية المدنية لهذا المقترح، إلا أن نجل حفتر بات اليوم مستنداً إلى ترسانة عسكرية وملايين الدولارات المنهوبة من النفط والذهب، ليحول خصوم الأمس في الغرب الليبي إلى حلفاء يسعون لالتقاط الصور معه طمعاً في المناصب، مرسخاً واقعاً جديداً يقوم على حكم “العائلة والمليشيا” المدعوم خارجياً، ومقوضاً أي فرصة لبناء دولة مؤسسات ديمقراطية في ليبيا.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين