استيقظ الشارع المصري في أول أيام العام المالي الجديد (2026-2027) على صدمة معيشية كبرى تزامنت مع الاحتفالات الإعلامية الرسمية بالذكرى الثالثة عشرة لأحداث “30 يونيو”؛ حيث باغتت الحكومة المواطنين بحزمة قرارات متزامنة تقضي برفع أسعار تذاكر القطارات، وشرائح استهلاك الكهرباء، والمياه، والمواصلات العامة، فضلاً عن قفزات مفاجئة في أسعار السلع الغذائية الأساسية والزيوت.
ولم تكد تمضي ساعات الصباح حتى زاد رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، من منسوب القلق الشعبي بإعلانه إعادة تفعيل “لجنة التسعير التلقائي لأسعار الوقود”، وهي اللجنة التي ارتبط اسمها منذ إنشائها عام 2019 بقرارات الرفع المتتالي، مما يمهد لقفزة قريبة جديدة في أسعار المحروقات وما يتبعها من اشتعال تلقائي في تكاليف كافة السلع والخدمات بالبلاد.

الفاتورة التقديرية للغلاء: رفع الدعم عن “قطارات الغلابة” والطاقة
وشملت القرارات الجديدة زيادات هيكلية طالت الفئات الأكثر احتياجاً في المجتمع، وجاءت أبرز ملامحها على النحو التالي:
- قطاع النقل والمواصلات: رفعت وزارة النقل أسعار ركوب قطارات السكك الحديدية “تحيا مصر” المخصصة لخطوط الضواحي والمسافات القصيرة بنسبة 25%، والدرجات المكيفة بنسبة 12.5%، وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من زيادة سابقة فرضت على المترو والمواصلات العامة.
- الكهرباء والمياه: جرى تطبيق زيادة بنسبة 20% على استهلاك الكهرباء للأنشطة التجارية كثيفة الاستهلاك، وارتفعت أسعار محاسبة العدادات الكودية التي يستخدمها الفقراء وسكان المناطق العشوائية، بالتزامن مع رفع تعريفة شركات المياه وقطاع الري والأنشطة الخدمية بنسب متفاوتة.
- المواد الغذائية والزيوت: قفزت أسعار زيت عباد الشمس وزيت الذرة في الأسواق دفعة واحدة بمعدلات تتراوح بين 1.5 و4.5 جنيه للتر، كما سجلت أسعار اللحوم الحمراء (البتلو والضأن) ارتفاعاً ملحوظاً، وتراوح سعر الكيلو في بعض المناطق بين 350 و860 جنيهاً، فضلاً عن رفع شركات المشروبات الغازية لأسعار عبواتها بنسب كبيرة.
سياسات النظام وإفقار المصريين: امتصاص الزيادات قبل صرفها
ويجمع خبراء ومراقبون اقتصاديون على أن هذه الموجة الجديدة من الغلاء تكشف عن عمق الأزمة الهيكلية والسياسات الاقتصادية المتبعة التي أدت إلى إفقار الطبقات الوسطى والكدحة بشكل ممنهج.
وتأتي هذه الارتفاعات لتسبق وتلتهم سلفاً القرار الحكومي برفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي من 7 إلى 8 آلاف جنيه، ورفع المعاشات بنسبة 15%. ويؤكد الباحثون العماليون أن هذه الزيادات تظل شكلية ومحصورة في القطاع العام، في حين يحرم منها ملايين العاملين في القطاع الخاص؛ حيث تشير بيانات جهاز الإحصاء إلى أن متوسط الأجر اليومي في 75% من القطاعات الاقتصادية بالبلاد هو بالفعل أقل من الحد الأدنى للأجور، مما يوسع الفجوة المعيشية ويزيد من معدلات الفقر.
غباء سياسي ومخاوف من إلغاء الدعم العيني
وأثارت هذه القرارات وتوقيتها جلبة واسعة وسخرية مريرة على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث وصف صحفيون وسياسيون توقيت الإعلان بأنه يفتقر للحس السياسي، ووصفوا القرارات بأنها “هدايا الرئيس للمصريين في ذكرى 30 يونيو”. ونوّه خبراء اقتصاديون إلى أن الحكومة تبرر زيادة التذاكر بارتفاع أسعار الطاقة، في وقت يشهد فيه خام برنت تراجعاً عالمياً بنسبة تقارب 40%، وقيام دول إقليمية بخفض أسعار الوقود لمواطنيها.
وترتبط هذه الموجة بمخاوف أعمق لدى نحو 61 مليون مصري مستفيد من البطاقات التموينية و68 مليوناً يحصلون على الخبز المدعم؛ إذ تتزايد المؤشرات على سعي الحكومة لإلغاء الدعم العيني واستبداله بالدعم النقدي، بعد قرارات سابقة برفع سعر رغيف الخبز من 20 قرشاً إلى 1.5 جنيه وخفض وزنه، وسط توقعات بخروج ما بين 10 إلى 12 مليون مستفيد من مظومة الدعم تماماً، مما يضع المواطن المصري أمام شتاء اقتصادي شديد القسوة يُجهز على ما تبقى من قدرته الشرائية.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال