في حلقة جديدة من حلقات التصعيد الإسرائيلي المستمر في الضفة الغربية، شهدت مناطق متفرقة من نابلس وجنين والخليل ورام الله وطوباس موجة عنف جديدة تمثلت في إصابات بالرصاص الحي، وحالات اختناق جماعية، واقتحامات واعتقالات عشوائية.
بالتوازي مع هذا المشهد المتكرر، يواصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس صمته وتنسيقه الأمني، في خطوة يعتبرها كثيرون جزءاً من منظومة القمع التي يتعرض لها الفلسطينيون يومياً، ما يجعل السلطة في نظر الشارع شريكاً في الجريمة المستمرة.
تأتي هذه التطورات في ظل عامين دمويين من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي الفترة التي شهدت أيضاً ارتفاعاً غير مسبوق في وتيرة عمليات الاحتلال في مدن الضفة وقراها، حيث قُتل ما لا يقل عن 1072 فلسطينياً برصاص الاحتلال والمستوطنين، وأصيب نحو 10 آلاف آخرين، إضافة إلى أكثر من 20 ألف معتقل بينهم 1600 طفل.
![]()
إصابة شابين بالرصاص: برقين وبيت فوريك تحت النار
شهدت قرية برقين غرب جنين، ليلة أمس، اقتحاماً إسرائيلياً مكثفاً رافقه إطلاق نار مباشر على الشبان، ما أدى إلى إصابة شاب بالرصاص الحي. وانتشر الجنود في شوارع البلدة ولاحقوا عدداً من الأهالي، قبل أن يقوموا باحتجاز المصاب ومنع طواقم الهلال الأحمر من نقله، في سلوك أصبح جزءاً من سياسة ممنهجة لتعطيل الإسعاف وترك المصابين ينزفون.
لاحقاً، وبعد مماطلة استمرت دقائق طويلة، أعلن الهلال الأحمر أنه تمكن من نقل المصاب، موضحاً أنه أصيب بعيار ناري في الفخذ.
لم يقتصر إطلاق النار على جنين، إذ سجّلت بلدة بيت فوريك شرق نابلس إصابة شاب آخر يبلغ من العمر 18 عاماً، بعد أن أطلق جيش الاحتلال النار عليه خلال اقتحام البلدة. وأفادت طواقم الهلال الأحمر بأن حالته استدعت نقله فوراً إلى المستشفى.
هذه الاعتداءات ليست حوادث فردية أو طارئة، بل جزء من سياسة “تفكيك الجغرافيا” التي يتبعها جيش الاحتلال منذ سنوات، عبر تحويل كل قرية ومدينة فلسطينية إلى نقطة اشتباك دائمة، وإبقاء السكان تحت ضغط أمني مستمر.
حملة اقتحامات واسعة: طوباس ونابلس والخليل في دائرة الاستهداف
لم تكد تنتهي عمليات برقين وبيت فوريك حتى كانت قوات الاحتلال تشن حملة اقتحامات جديدة في مناطق مختلفة من الضفة، أبرزها:
- مدينة طوباس ومخيم الفارعة
- بلدة عقابا
- بلدتا قباطية والكفير في جنين
- مدينة دورا جنوب الخليل
- بلدة بيت ريما شمال رام الله
وفي الخليل، ذكرت مصادر إعلامية أن قوات الاحتلال اعتقلت شاباً من المنطقة الجنوبية للمدينة بعد اقتحامها فجراً، في وقت انتشرت فيه آليات عسكرية بكثافة وأقيمت نقاط تفتيش عشوائية.
أما في رام الله، فقد اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بيت ريما وشرعت بعمليات تفتيش وملاحقة استمرت لساعات طويلة، تزامناً مع اقتحام مخيم الفارعة في طوباس واليامون غرب جنين.
يتزامن ذلك مع صمت فلسطيني رسمي يشي بعجز أو تواطؤ، إذ تُنفذ هذه الاقتحامات في ظل استمرار “التنسيق الأمني”، الذي بات واجهة شرعية لتسهيل تحركات جيش الاحتلال، وتوفير بيئة آمنة لملاحقة واعتقال الفلسطينيين.
اختناق جماعي في اللبن الشرقية: قنابل غاز داخل البيوت وإغلاق كامل للقرية
كان المشهد الأكثر قسوة خلال الساعات الماضية في قرية اللبن الشرقية جنوب نابلس، حيث تعرضت القرية لاقتحام عنيف مساء الجمعة، أدى إلى اختناق العشرات من الأهالي، بينهم أطفال وكبار سن.
ووفق وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، فقد أطلق جنود الاحتلال قنابل الغاز السام بكثافة تجاه المنازل، ما أدى إلى انتشار الغاز داخل البيوت وإصابة عدد كبير من السكان بحالات اختناق.
كما ألحق الجنود أضراراً بعدد من المركبات الفلسطينية بعد استهدافها مباشرة بقنابل الغاز والصوت. وتعمّدت قوات الاحتلال منع الدخول والخروج من القرية لمدة تجاوزت ثلاث ساعات، من خلال إغلاق مداخلها الشرقية والشمالية، وإطلاق قنابل الإنارة في سماء القرية طوال فترة الاقتحام.
هذا الحصار المؤقت يعكس منهجية “العقاب الجماعي” التي يمارسها الاحتلال بحق الفلسطينيين، بهدف إخضاع القرى وإشعار السكان بأن حياتهم اليومية مرهونة بقرار عسكري.
تواطؤ السلطة: صمت رسمي وغياب للمساءلة
في الوقت الذي تعيش فيه الضفة الغربية حالة حرب مفتوحة، يواصل الرئيس محمود عباس تجاهل نداءات الشارع لإيقاف التنسيق الأمني، وتفعيل دور السلطة في حماية المدنيين، أو حتى رفع دعاوى دولية جدية ضد الاحتلال.
ويرى فلسطينيون كثر أن السلطة تحولت إلى “شرطي ظل” يعمل على تثبيت الوضع القائم، بدلاً من حماية أبناء شعبه، ما يجعل عباس شريكاً في الجريمة، سواء بالصمت أو بالتنسيق الأمني أو بإجهاض أي مقاومة شعبية.
خلاصة: الضفة تحترق وغزة تنزف… والسلطة غائبة
بين إطلاق الرصاص على الشبان في جنين ونابلس، وحملات الاقتحام في الخليل وطوباس، وحالات الاختناق في اللبن الشرقية، يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت احتلال عسكري يومي لا يختلف في قسوته عن الجرائم المرتكبة في غزة.
وفي ظل غياب حماية رسمية، واقتصار المواجهة على جهود شعبية متفرقة وإغاثية، تبقى الضفة مفتوحة أمام تصعيد جديد قد يزداد ضراوة في ظل نهج الاحتلال القائم، وتجاهل السلطة الفاضح، وصمت دولي اعتاد على رؤية الدم الفلسطيني دون أن يتحرك.
اقرأ أيضًا : روبيو يقصد الإمارات: نحن نعلم من هي الأطراف التي تدعم الدعم السريع