في جريمة جديدة تُضاف إلى سجلّ العنف الاستيطاني المتصاعد في الضفة الغربية، أقدم مستوطنون إسرائيليون فجر الخميس على اقتحام بلدة دير استيا بمحافظة سلفيت، وإضرام النار في أجزاء من مسجد الحاجة حميدة وكتابة شعارات عنصرية باللغة العبرية على جدرانه. المشهد، كما يرويه شهود العيان، يعيد إلى الأذهان سلسلة طويلة من الاعتداءات التي تستهدف الوجود الفلسطيني ومعالمه الدينية والحضارية، في ظل حماية كاملة من جيش الاحتلال وتغاضٍ سياسي وقانوني إسرائيلي.

مسجد يُحرق فجرًا.. وغضبٌ محلي واسع
وفق شهود العيان، تسلل المستوطنون إلى البلدة تحت جنح الظلام، واقتحموا المسجد وأشعلوا النار في جزء منه، قبل أن يكتبوا شعارات تنضح بالكراهية والتحريض. تمكن الأهالي من إخماد الحريق بصعوبة، لكن آثار السواد على الجدران والعبارات العنصرية بقيت شاهدة على حجم الجريمة. هذا الاعتداء هو حلقة في سلسلة استهداف دور العبادة الإسلامية بالضفة، بدءًا من إحراق مسجد في ياسوف عام 2009 وصولاً إلى عشرات الاعتداءات في السنوات الأخيرة.
الهجوم لم يكن حادثة منعزلة، بل جزء من نمط منظم ومرتب، إذ رافقه في اليوم ذاته حملة اعتقالات واسعة في بلدة دورا جنوب الخليل، نفذ خلالها جيش الاحتلال اعتقال 18 مواطناً واحتجاز آخرين والتحقيق معهم ميدانيًا، في سياسة باتت أقرب إلى العقاب الجماعي منها إلى الإجراءات الأمنية.
اعتداءات متزامنة في بيت لحم ورام الله
لم تكد ساعات تمر حتى اقتحمت قوات الاحتلال بلدة الدوحة غرب بيت لحم، حيث تمركزت وسط البلدة وداهمت منزلاً وفتشته. تزامن ذلك مع هجوم مسلّح نفذه مستوطنون على بلدة سِنجل شمال رام الله، أطلق خلاله المستوطنون زخات من الرصاص تجاه لجنة الحراسة الشعبية التي تتولى حماية البلدة من هجمات المستوطنين المتكررة.
أصيب شاب فلسطيني برصاصة في قدمه خلال الهجوم، فيما استمر إطلاق النار بشكل كثيف، في مشهد يؤكد أن المستوطنين باتوا يتصرفون كميليشيات منظّمة تعمل ضمن استراتيجية واضحة هدفها بثّ الرعب، وتوسيع السيطرة على الأرض، وفرض وقائع جديدة بدعم مباشر من جيش الاحتلال.
بلدية سنجل وصفت الاعتداء بأنه يأتي في إطار تصاعد منهجي في اعتداءات المستوطنين، مؤكدة أن الهدف هو الضغط على السكان لترك أراضيهم، في واحدة من أخطر سياسات التطهير الهادئ التي تتبعها إسرائيل منذ سنوات.
أرقام صادمة: آلاف الاعتداءات وعمليات قتل وتهجير
بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستوطنون 7154 اعتداءً في الضفة خلال عامين من حرب الإبادة على غزة. هذه الاعتداءات أسفرت عن:
-
مقتل 33 فلسطينياً
-
تهجير 33 تجمعاً سكانياً كاملاً
-
تدمير واسع للممتلكات والبنى التحتية الزراعية
أما الاعتداءات المشتركة بين الجيش والمستوطنين فقد أدت إلى:
- استشهاد ما لا يقل عن 1070 فلسطينياً
- إصابة نحو 10 آلاف و700
- اعتقال أكثر من 20 ألفاً و500 شخص
هذه الأرقام تكشف أن العنف الاستيطاني ليس عملاً فردياً، بل سياسة ممنهجة محمية رسميًا، وتهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا لصالح المشروع الاستيطاني.
الاحتلال يواصل الإبادة في غزة.. والضفة تتحمل الفاتورة
الهجمات المتصاعدة في الضفة تأتي في ظل استمرار الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة التي بدأت في 8 أكتوبر 2023 واستمرت لعامين، وأسفرت عن:
- أكثر من 69 ألف شهيد
- أكثر من 170 ألف جريح
- الغالبية من النساء والأطفال
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، تواصل إسرائيل خرقه يوميًا، عبر القصف والاغتيالات وعمليات النسف، ومنع الطعام والدواء، في سياسة واضحة لقتل ما تبقى من الحياة داخل القطاع.
ما يحدث في الضفة ليس بعيدًا عن مشهد غزة؛ فإسرائيل تستغل انشغال العالم بالمحرقة في القطاع لتصعيد مشروعها الاستيطاني بالضفة، وتفريغ القرى الفلسطينية من سكانها، وسط تواطؤ سياسي وصمت دولي يعزز شعور المستوطنين بالإفلات الكامل من العقاب.
جريمة إحراق المسجد: رسالة سياسية بغطاء ديني
استهداف دور العبادة الإسلامية يحمل دلالات أعمق من مجرد اعتداء مادي:
-
هو محاولة لضرب الهوية الدينية والوطنية للفلسطينيين.
-
هو رسالة ترهيب واضحة لسكان القرى المحيطة.
-
وهو أيضاً اختبار لرد الفعل الدولي الذي غالباً ما يكتفي بالإدانة اللفظية دون اتخاذ أي إجراءات رادعة.
هذه الاعتداءات جزء من استراتيجية “جباية الثمن” التي تتبناها جماعات المستوطنين المتطرفة، والتي تهدف إلى فرض سيطرة ميدانية بالقوة، عبر تدمير الممتلكات العربية وإشعال الحرائق والاعتداء على المزارعين وإرهاب السكان.
خلاصة: منظومة إجرام واحدة من غزة إلى الضفة
ما بين إحراق مسجد، وإطلاق نار، واعتقالات بالجملة، وتواطؤ عسكري، تتضح ملامح سياسة إسرائيلية واحدة تقوم على:
- توسيع الاستيطان بالقوة
- تهجير الفلسطينيين
- تدمير الهوية الدينية والوطنية
-
استخدام العنف كأداة سياسية
هذه الجرائم ليست أحداثًا عابرة، بل هي تطبيق مباشر لفكر استعماري يستهدف الأرض والإنسان معًا، ويمتد من شوارع غزة المدمرة إلى قرى الضفة المحاصرة.
إنها منظومة إجرام متكاملة، يغذيها الإفلات من العقاب، ويُشجعها الصمت الدولي، وتنفذها أذرع الاحتلال من جيش ومستوطنين، تحت غطاء سياسي يمنح الشرعية لكل هذا العنف.
اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيّد يتجدّد: عائلة المعارض التونسي جوهر بن مبارك تؤكد تعرّضه للضرب داخل السجن