في تصعيد خطير ينذر بتوسّع رقعة الحرب الإقليمية، دوّت انفجارات عنيفة فجر الأحد في مناطق مختلفة من إيران، أبرزها شرق طهران ومدينة تبريز، فيما أعلنت الدفاعات الجوية الإيرانية عن إسقاط طائرة مسيّرة إسرائيلية في أجواء مدينة قم.

يأتي هذا التصعيد بعد سلسلة من الضربات الجوية الإسرائيلية التي طالت منشآت عسكرية وأمنية إيرانية في عمق الأراضي الإيرانية، في إطار حرب استخباراتية وعسكرية متصاعدة بين تل أبيب وطهران.

أصوات الانفجارات: رسائل متعددة وتحدٍّ مباشر

دوّي الانفجارات في شرق طهران وتبريز لم يكن مجرد تطور ميداني، بل يمثل تحوّلاً نوعياً في استراتيجية الهجمات الإسرائيلية داخل العمق الإيراني.

طهران، عاصمة الدولة، باتت مستهدفة بشكل مباشر ومتكرر، في تحدٍ واضح للسيادة الإيرانية ورسالة إسرائيلية مفادها أن كل نقطة في البلاد باتت في مرمى نيرانها.

كما أن استهداف مدينة تبريز، إحدى أهم المراكز الصناعية في شمال غرب إيران، يفتح المجال لتأويلات تتعلق بتوسيع بنك الأهداف نحو منشآت إنتاجية ومدنية، لتوجيه ضغوط اقتصادية ونفسية موازية للضربات العسكرية.

الدفاعات الجوية الإيرانية، التي أعلنت إسقاط مسيرة إسرائيلية في أجواء قم، تبدو في سباق مع الزمن لاحتواء الهجمات، خاصة أن قم تُعد مركزاً دينياً وعقائدياً بارزاً في النظام السياسي الإيراني، واستهدافها يحمل رمزية سياسية شديدة.

ضربات إسرائيلية في العمق الإيراني.. الجغرافيا تتحول إلى ساحة حرب

أعلنت مصادر إيرانية متقاطعة، منها وكالة مهر وتسنيم، عن تفعيل أنظمة الدفاع الجوي في شيراز وبندر لنجة وبندر عباس، تزامناً مع غارات إسرائيلية استهدفت منشآت للطائرات المسيّرة والأسلحة في هذه المناطق. الجيش الإسرائيلي من جهته أعلن رسميًا عن تنفيذ ضربات ضد أهداف استراتيجية في بندر عباس على الساحل الجنوبي لإيران، بالقرب من مضيق هرمز، في مؤشر على نية الاحتلال استهداف البنية التحتية العسكرية البحرية الإيرانية.

ووفق البيان الإسرائيلي، فإن الهجمات شملت قواعد بحرية تابعة للحرس الثوري، ومواقع رادار للدفاع الجوي، وصواريخ باليستية، إضافة إلى مخازن للطائرات المسيّرة، وهي منظومات أثبتت إيران فاعليتها فيها خلال السنوات الماضية.

وبالإضافة إلى تلك المناطق، استهدفت 30 مقاتلة إسرائيلية عشرات المواقع العسكرية في الأهواز جنوب غرب البلاد، وقصر شيرين غربًا، في واحدة من أوسع عمليات القصف منذ بدء الحرب المفتوحة بين الجانبين.

اللافت أن القناة 12 الإسرائيلية تحدثت عن استهداف موقع لتخزين الأسلحة شرق طهران، ما يكرّس واقعًا جديدًا مفاده أن الحرب لم تعد تجري في الأطراف بل وصلت إلى قلب العاصمة.

عمليات الاغتيال.. حرب العقول مستمرة

لم تكتفِ إسرائيل بتوجيه ضربات جوية، بل واصلت نهجها باغتيال القيادات والخبراء الإيرانيين، في محاولة لإفراغ البنية التحتية للقدرات العسكرية الإيرانية من عقولها المدبرة.

الجيش الإسرائيلي أعلن أمس السبت عن اغتيال سعيد إيزدي، قائد وحدة “فلسطين” في فيلق القدس، وقال إنه كان أحد أبرز الشخصيات الضالعة في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر، وهو ما يمثل استهدافًا مباشرًا للصلة بين إيران والفصائل الفلسطينية.

كما اغتالت إسرائيل بهنام شهرياري، القائد في فيلق القدس، خلال غارة غرب البلاد، في استكمال لمسلسل ضرب شبكة الربط بين طهران ومحور المقاومة الممتد في المنطقة.

ولعل أخطر ما تم الإعلان عنه هو مقتل العالم النووي إيثار طبطبائي وزوجته، في قصف استهدف منزلهما، وسط تقارير عن سقوط ثلاثة علماء نوويين في المجمل خلال الأيام الماضية. طبطبائي، الذي يحمل درجة الدكتوراه في الهندسة النووية منذ 2007، كان جزءًا من برامج التطوير النووي الإيراني، مما يعكس أن إسرائيل تسعى لتحجيم هذا الملف بطريقة مشابهة لما حدث مع العلماء العراقيين في العقود الماضية.

وفق مصادر إسرائيلية، بلغ عدد العلماء النوويين الذين قتلوا خلال الهجمات الأخيرة نحو 17 عالماً، في حرب تستهدف العقل الإيراني قبل أن تطال الترسانة.

تحليل السياق: الاحتلال في ذروة الغطرسة… وإيران في لحظة اختبار

المشهد الراهن يعكس غطرسة إسرائيلية غير مسبوقة، مستندة إلى ضوء أخضر أمريكي وصمت دولي مريب. تل أبيب لم تعد تكتفي بالضربات “الوقائية” أو الرسائل التحذيرية، بل تخوض حرب اغتيالات وتدمير ممنهجة داخل بلد يعدّ واحدًا من أعقد الخصوم في المنطقة.

وفي المقابل، يبدو أن إيران، رغم التفعيلات المتكررة للدفاعات الجوية، ما تزال في موقع المتلقي أكثر من المبادِر، حيث اكتفت حتى الآن بردود رمزية أو استنزافية عبر جبهات مثل اليمن والعراق ولبنان.

لكن السؤال المطروح الآن: هل تكتفي طهران بسياسة “ضبط النفس” في مواجهة غطرسة الاحتلال؟ أم أن إيران ستنقل المواجهة إلى مستوى أكثر مباشرة في الأسابيع المقبلة؟

في ظل ما يحدث، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها: العمق الإيراني لم يعد محصنًا، والاحتلال الإسرائيلي ماضٍ في سياسة “الحرب الاستباقية” حتى آخر عالم نووي وآخر موقع صاروخي.=

خاتمة مفتوحة: إلى أين تتجه الحرب؟

مع تواصل الغارات واغتيال القيادات، تصبح الحسابات أكثر تعقيدًا. كل ضربة إسرائيلية تُبقي احتمالات الانفجار الإقليمي واردة، خصوصًا مع ازدياد الضغط على إيران للرد، سواء من الداخل أو من حلفائها الإقليميين.

وفي غياب أي جهد دولي جاد لوقف التصعيد، تظل كل العواصم الكبرى، من واشنطن إلى موسكو، في موقع المتفرج أو الداعم غير المعلن. أما المنطقة، فتبدو أقرب ما تكون إلى الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة، قد لا تبقي ولا تذر.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يصعّد حرب الاغتيالات: 3 قادة بالحرس الثوري ضحايا قصف ليلي يستهدف العمق الإيراني