تواصلت خسائر البورصة المصرية على مدار يومين متتاليين، لتفقد نحو سبعة مليارات جنيه من قيمتها السوقية، وسط موجة بيع جماعية طالت أغلب الأسهم الكبرى والمؤشرات الرئيسية، في مشهدٍ يعكس هشاشة الثقة بالسوق المحلي رغم الدعاية الرسمية عن تحسن مؤشرات الاقتصاد.

فقد أغلق رأس المال السوقي، الثلاثاء، عند 2.886 تريليون جنيه، منخفضاً بنحو ملياري جنيه مقارنة بالجلسة السابقة، في حين تراجع المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 0.41% ليغلق عند مستوى 40,261 نقطة. كما هبط مؤشر EGX30 محدد الأوزان بنسبة 0.51% ليغلق عند 49,527 نقطة، فيما انخفض مؤشر EGX30 للعائد الكلي بنسبة مماثلة ليغلق عند 18,190 نقطة.

هذا الأداء السلبي يأتي بعد تراجع أكبر يوم الاثنين، حين خسر السوق خمسة مليارات جنيه، ليرتفع إجمالي الخسائر خلال 48 ساعة إلى سبعة مليارات جنيه، ما أثار قلق المستثمرين من أن تكون السوق قد دخلت مرحلة تصحيح حاد بعد موجة الارتفاعات غير المدعومة بإصلاحات اقتصادية حقيقية.

صعود استثنائي ثم انعكاس حاد: ماذا يحدث؟

منذ نهاية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كانت البورصة المصرية تسجل أرقاماً غير مسبوقة منذ أكثر من عقدين، إذ حققت مكاسب تجاوزت 184 مليار جنيه خلال أسابيع قليلة، مدفوعة بتفاؤل حكومي واسع حول “تحسن الأداء الاقتصادي” وتوقعات بخفض أسعار الفائدة.

لكن محللين اقتصاديين وصفوا تلك المكاسب بأنها فقاعة مؤقتة، إذ لم تستند إلى تطور حقيقي في بنية الاقتصاد أو إلى استثمارات إنتاجية، بل إلى تدفقات قصيرة الأجل من مستثمرين محليين يسعون لتحقيق أرباح سريعة في ظل التضخم المرتفع وتراجع قيمة الجنيه.

وكان المؤشر الرئيسي EGX30 قد تجاوز مستوى 38,200 نقطة بنسبة ارتفاع بلغت 4% نهاية أكتوبر، مدعوماً بحملة إعلامية مكثفة روجت لفكرة أن “الاقتصاد المصري في طريق التعافي”، مع الإشارة إلى انخفاض معدلات التضخم إلى 12.5% في سبتمبر. غير أن هذه الأرقام، بحسب مراقبين، تخفي خلفها أزمة سيولة خانقة وتراجعاً مقلقاً في القدرة الشرائية داخل السوق المحلي، بالإضافة إلى تضخم الدين الخارجي الذي تجاوز 161 مليار دولار وفق بيانات البنك المركزي.

ومع بداية تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بدأ المسار في الانعكاس بوضوح. فقد أغلق EGX30 الأحد الماضي عند 40,427 نقطة بانخفاض 0.97%، وتراجع مجدداً الاثنين بنسبة 0.097%، في وقتٍ شهدت فيه مؤشرات التداول موجة بيع واسعة خاصة من المستثمرين الأفراد.

تأثيرات سياسية واقتصادية متشابكة

يرى خبراء أن فشل النظام الاقتصادي لعبد الفتاح السيسي في خلق بيئة استثمارية مستقرة هو العامل الأبرز وراء حالة عدم اليقين في الأسواق.

فرغم الإنفاق الحكومي الهائل على مشاريع البنية التحتية والعاصمة الإدارية الجديدة، إلا أن القطاع الخاص تراجع إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وتزايدت هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد، ما أدى إلى هروب الاستثمارات الأجنبية وتراجع دور رجال الأعمال المدنيين.

كما أن الخطاب الرسمي الذي يروّج لتحسن مؤشرات الاقتصاد لا يجد صدى في الواقع المعيشي للمواطنين الذين يواجهون ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، وتراجعاً في قيمة الجنيه الذي فقد أكثر من نصف قيمته منذ عام 2022.

ويرى مراقبون أن هذه التناقضات تضع البورصة في وضع هش، حيث تؤدي أي إشارة سلبية – سواء من الأسواق العالمية أو من الوضع السياسي المحلي – إلى عمليات بيع واسعة وسريعة.

التوترات الإقليمية، خاصة الحرب في السودان والتهديدات المستمرة في البحر الأحمر، إلى جانب القلق من انعكاسات السياسات الأمريكية الجديدة في المنطقة، كلها عوامل زادت من حالة الترقب والخوف بين المستثمرين، الذين يرون أن الحكومة تفتقر إلى استراتيجية واضحة لإدارة الأزمات المالية.

البورصة كمؤشر على فشل شامل

لم تعد خسائر البورصة مجرد أرقام اقتصادية، بل أصبحت مرآةً لفشل الإدارة السياسية في تحقيق استقرار مالي حقيقي.

فعلى الرغم من البيانات المتكررة عن “تحقيق فائض أولي” أو “تحسن الاحتياطي النقدي”، فإن السوق لا تزال تُظهر هشاشة مقلقة، معتمدةً على القروض والتمويلات الخارجية أكثر من اعتمادها على نمو حقيقي في الإنتاج أو الصادرات.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن المشكلة ليست في البورصة ذاتها، بل في غياب الثقة بالسياسات الاقتصادية للنظام الحالي. فالتقلبات الحادة تعكس غياب الرؤية وتناقض القرارات بين الجهات الحكومية، في وقتٍ يستمر فيه البنك المركزي في رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم، بينما تعلن الحكومة نيتها لجذب الاستثمار عبر خفضها، ما يُفقد المستثمرين القدرة على التنبؤ باتجاه السوق.

كما أن غياب الشفافية في طرح الشركات العامة للخصخصة، وتوجيه العائدات نحو سداد الديون بدلاً من الاستثمار الإنتاجي، عمّق الأزمة أكثر.

خلاصة المشهد

تراجعات البورصة المصرية خلال يومين بمليارات الجنيهات ليست حدثاً عابراً، بل مؤشر واضح على تآكل الثقة في الاقتصاد، وعلى فشل سياسات عبد الفتاح السيسي في تحقيق التوازن بين “المشاريع الضخمة” و”الاستقرار المالي”.

فبينما يواصل النظام الترويج لمشروعات شكلية وبنية تحتية لا تولّد فرص عمل حقيقية، تتجه الأسواق نحو الانكماش وتراجع السيولة.

ويخشى محللون من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى تراجع أوسع في الأسابيع المقبلة، خاصة مع احتمال رفع أسعار الفائدة مجدداً أو تراجع الدعم الخليجي.

ومع غياب الإصلاح السياسي والاقتصادي الحقيقي، يبدو أن البورصة المصرية أصبحت الضحية الأوضح لفشل إدارة النظام الحاكم في ضبط توازن الاقتصاد الوطني.

اقرأ أيضًا : بن غفير يحتفل بتقنين الإعدام.. إسرائيل تُشرعن القتل الجماعي للفلسطينيين تحت غطاء القانون