يكرر جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، عبارة تبدو بريئة وجميلة: “يجب أن تبقى السياسة خارج كرة القدم، ويجب أن تبقى كرة القدم خارج السياسة”. لكن سجل الرجل نفسه يكشف أن هذه الجملة ليست مبدأ ثابتًا، بل أداة انتقائية تُرفع في وجه من يريد الغرب عزله، وتختفي تمامًا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، أو دونالد ترامب، أو صفقات المونديال مع الدول الغنية، أو إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر كرة القدم.

فكأس العالم لم يعد مجرد بطولة رياضية. تحت إدارة إنفانتينو، تحول إلى منصة سياسية هائلة، تُستخدم فيها الملاعب كمساحات دبلوماسية، والجوائز كرسائل ولاء، والاستضافة كصفقة نفوذ، و”السلام” كغطاء لتبييض الاحتلال والحروب. وما يحدث في الشرق الأوسط تحديدًا يكشف الوجه الأوضح لازدواجية المعايير الغربية داخل فيفا: روسيا تُعاقب بسرعة، إسرائيل تُحمى من العقاب؛ والسعودية تُهاجم حقوقيًا عندما لا يكون السياق مناسبًا، لكن تُمنح الشرعية عندما تدخل ماكينة المصالح؛ والحديث عن “عدم تسييس الرياضة” يظهر فقط عندما يطالب الفلسطينيون بمحاسبة إسرائيل.

المفارقة تبدأ من الولايات المتحدة نفسها، مستضيفة مونديال 2026 إلى جانب المكسيك وكندا. في 2017، عندما فرض ترامب حظرًا على دخول مواطني دول ذات أغلبية مسلمة، قال إنفانتينو إن أي دولة تستضيف كأس العالم يجب أن تضمن دخول المنتخبات المؤهلة إلى أراضيها، وإلا “فلن تكون هناك كأس عالم”. بدا الكلام يومها كأنه موقف مبدئي: لا بطولة عالمية في بلد يمنع لاعبين أو جماهير لأسباب سياسية. لكن بعد سنوات، عندما أصبحت الولايات المتحدة نفسها مسرحًا لحظر ومضايقات طالت جماهير ولاعبين وحكامًا من دول مسلمة، لم نر المبدأ ذاته يتحول إلى أزمة حقيقية داخل فيفا.

إيران لعبت في مونديال 2026 في لوس أنجلوس، في ظل حرب أمريكية–إسرائيلية على إيران قتلت آلاف الإيرانيين، بينما مُنع مشجعون إيرانيون من دخول الولايات المتحدة. مدرب المنتخب الإيراني أمير قلعة نويي قال إن فريقه كان “الأكثر اضطهادًا في كأس العالم”، واشتكى من أن إنفانتينو زار المنتخب في غرفة الملابس بعد أول مباراة وأبلغهم بأن عليهم مغادرة الولايات المتحدة فورًا إلى معسكرهم في المكسيك. وفي الوقت نفسه، مُنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، المعيّن من فيفا، من دخول الولايات المتحدة بذريعة مزاعم حول “ارتباطات” بمنظمات مشبوهة. كما احتُجز المهاجم العراقي أيمن حسين عند دخوله البلاد، وخضع للاستجواب سبع ساعات قبل السماح له بالدخول.

هذه ليست تفاصيل هامشية. إنها جوهر السؤال: إذا كانت فيفا قد حذرت سابقًا من أن منع الدخول يهدد حق الدولة في استضافة كأس العالم، فلماذا لم يتحول ما حدث في الولايات المتحدة إلى أزمة مبدئية؟ ولماذا يصبح حق الوصول إلى البطولة “معيارًا رياضيًا عامًا” عندما يكون الكلام نظريًا، ثم يتحول إلى أمر يمكن ابتلاعه عندما يكون المضيف هو واشنطن؟

هنا تظهر ازدواجية الغرب بوضوح: السياسة ممنوعة عندما يطالب بها الضحايا، لكنها مسموحة عندما تمارسها القوة الكبرى. اللاعب المسلم يمكن استجوابه. الحكم الصومالي يمكن منعه. الجمهور الإيراني يمكن حرمانه. ومع ذلك تبقى البطولة قائمة، وتبقى فيفا صامتة أو ملتفة أو مكتفية بإجراءات تعويضية لا تمس أصل المشكلة.

أما علاقة إنفانتينو بترامب، فهي فصل مستقل في تسييس كرة القدم تحت غطاء “السلام”. الرجل الذي يقول إن السياسة يجب أن تبقى خارج الرياضة حضر تنصيب ترامب الثاني، ورافقه في جولات سياسية في السعودية، وتأخر عن مؤتمر فيفا السنوي في باراغواي بسبب مرافقته للرئيس الأمريكي، ما دفع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى اتهامه بتقديم “مصالح سياسية خاصة” على شؤون اللعبة. ثم بلغ الأمر ذروته عندما منح ترامب أول “جائزة فيفا للسلام”، في مشهد بدا أقرب إلى تكريم سياسي لرجل يبحث عن شرعية دولية أكثر منه إلى مبادرة رياضية ذات معنى.

الأغرب أن فيفا لم تكتفِ بمنح ترامب جائزة رمزية، بل وقعت شراكة مع “مجلس السلام” الذي أنشأه لإدارة ملف غزة، من دون تمثيل فلسطيني حقيقي، وتحت عنوان إعادة الإعمار عبر كرة القدم. هكذا تتحول مأساة غزة، بعد الإبادة والدمار، إلى مشروع “استثمار كروي” تديره فيفا مع بنية سياسية مرتبطة بترامب، بينما الفلسطينيون أنفسهم لا يملكون الكلمة الأساسية في مستقبل أرضهم ورياضتهم. إنها ليست رياضة هنا، بل هندسة سياسية ترتدي قميص كرة قدم.

ثم نصل إلى إسرائيل، المثال الأوضح والأكثر فجاجة على المعايير المزدوجة. عندما غزت روسيا أوكرانيا عام 2022، تحركت فيفا ويويفا بسرعة وعزلتا روسيا عن المنافسات الدولية. يومها لم يقل أحد إن “السياسة يجب أن تبقى خارج كرة القدم”. لم تُطرح وساطة رياضية ولا مباراة سلام رمزية ولا دعوة إلى الحوار بين موسكو وكييف داخل الملعب. العقوبة جاءت سريعة وحاسمة، وجرى تقديمها بوصفها موقفًا أخلاقيًا طبيعيًا.

لكن مع إسرائيل، الصورة تنقلب تمامًا. رغم الإبادة في غزة، ورغم قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ورغم تدمير البنية الرياضية الفلسطينية، ورغم استهداف لاعبين ومدربين ومنشآت، ورغم استمرار أندية إسرائيلية في اللعب داخل مستوطنات مقامة على أرض فلسطينية محتلة، ترفض فيفا العقوبة. بدل الحظر، تتحدث عن “الحوار”. بدل المساءلة، تعرض “الوساطة”. بدل الاعتراف بأن الاحتلال ينتهك كل مبدأ رياضي وقانوني، تقول إن الوضع القانوني النهائي للضفة الغربية “معقد وغير محسوم”.

أي تعقيد هذا عندما يتعلق الأمر بأندية تلعب في مستوطنات يعتبرها القانون الدولي غير شرعية؟ وأي حياد هذا الذي يرى الاحتلال “مسألة معقدة”، لكنه رأى روسيا حالة واضحة تستوجب الإقصاء الفوري؟ الحقيقة أن فيفا لا ترفض تسييس الرياضة، بل ترفض فقط التسييس الذي يحرج إسرائيل. أما عندما يخدم التسييس إسرائيل، يصبح “جسرًا للحوار”، و”فرصة للسلام”، و”كرة قدم من أجل الأمل”.

حتى فكرة المباراة الرمزية بين إسرائيل وفلسطين تحت سن 15 عامًا تكشف هذا المنطق. بدل أن تواجه فيفا سؤال الاحتلال وقتل الرياضيين وتدمير الملاعب، تحاول إنتاج صورة مصافحة بين الضحية والجلاد. مشهد طفل فلسطيني يلعب أمام فريق يمثل دولة تحتل أرضه ويقتل جيشها شعبه يصبح في خطاب فيفا “رسالة أمل”. أما في نظر الفلسطينيين، فهو محاولة لفرض التطبيع الرياضي فوق الركام.

وقد ظهر ذلك بوضوح في واقعة مؤتمر فيفا عندما حاول إنفانتينو دفع جبريل الرجوب، رئيس الاتحاد الفلسطيني، إلى مصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي. رفض الرجوب وقال: “نحن نعاني”. هذه الجملة وحدها تلخص كل شيء. الفلسطيني لا يحتاج إلى مصافحة أمام الكاميرات، بل إلى وقف القتل، ومحاسبة الاحتلال، وحماية لاعبيه، ورفع يد إسرائيل عن أرضه وملاعبه. لكن فيفا تريد الصورة لا العدالة؛ تريد مشهد “سلام” جاهزًا للبث، لا اعترافًا بالواقع.

وهنا تتكشف الوظيفة الحقيقية للرياضة في يد الغرب: عندما يكون المعتدي خصمًا سياسيًا، تصبح الرياضة ساحة عقاب وعزل. وعندما يكون المعتدي حليفًا، تصبح الرياضة أداة تبييض وإعادة تأهيل. روسيا تُطرد لأنها خارج المعسكر الغربي. إسرائيل تُحمى لأنها داخله. الفلسطيني يُطلب منه أن يصافح. والغرب يسمي ذلك “حيادًا”.

ولا تقتصر ازدواجية فيفا على إسرائيل. في ملف السعودية، ظهرت اللعبة نفسها بصيغة أخرى: المال والنفوذ فوق حقوق الإنسان. مُنحت السعودية حق استضافة مونديال 2034 بعد عملية بدت مفصلة على مقاسها: فتح باب الترشح بشكل مفاجئ، مهلة قصيرة، انسحاب المنافس الوحيد، ثم تمرير القرار بالتصفيق بدل تصويت حقيقي منفصل. المنظمات الحقوقية حذرت من أن القرار يمثل خطرًا كبيرًا على العمال والنساء وحرية التعبير والفئات المهمشة، لكن فيفا اختارت اللغة المعتادة: كأس العالم سيكون “حافزًا للتغيير الاجتماعي”.

هذه العبارة تستخدم الآن في السعودية، وستستخدم لاحقًا مع أي دولة قادرة على تمويل الحلم التجاري لفيفا. دائمًا تقول المؤسسة إن المونديال سيقود إلى الإصلاح، بينما الواقع أن الأنظمة تستخدم المونديال لإعادة إنتاج صورتها عالميًا. يتحول العامل المهاجر، والسجين السياسي، والمرأة المقموعة، والناشط الصامت، إلى تفصيل صغير أمام الملاعب الضخمة والعقود الإعلانية والبث العالمي.

لكن حتى هنا، يجب الانتباه إلى لعبة الغرب. النقد الحقوقي لسعودية قد يكون مشروعًا، بل ضروريًا، لكن الغرب لا يطبقه بالحدة ذاتها على إسرائيل أو الولايات المتحدة. يتذكر حقوق العمال عندما تكون الدولة عربية غنية، لكنه ينسى حق الفلسطيني في الحياة عندما تكون إسرائيل في الملعب. يقلق من حقوق النساء في إيران، لكنه لا يقلق من منع جماهير إيران من دخول أمريكا. يتحدث عن حرية التعبير في الخليج، لكنه يصف المطالبة بطرد إسرائيل بأنها تسييس غير مقبول.

المشكلة إذن ليست في الحديث عن حقوق الإنسان، بل في انتقائيته. لو كانت فيفا والغرب جادين فعلًا، لكانت المعايير واحدة: لا دولة تنتهك القانون الدولي تحصل على حصانة رياضية. لا اتحاد يسمح بالعنصرية والاحتلال يشارك كأن شيئًا لم يحدث. لا بطولة تُمنح بلا رقابة حقوقية حقيقية. لا جماهير تُمنع بسبب جنسيتها أو دينها ثم يقال إن كأس العالم للجميع. لكن ما نراه هو العكس: الحقوق تُستخدم كسلاح سياسي، لا كقيمة عالمية.

حتى في المغرب، يظهر البعد السياسي لاستضافة كأس العالم 2030. صحيح أن استضافة بلد إفريقي وعربي للمونديال للمرة الثانية بعد جنوب إفريقيا تحمل رمزية مهمة، لكن مسار الملف لم يخلُ من ترتيبات وكواليس وتسريبات تتعلق بدور إنفانتينو في الدفع نحو صيغة المغرب وإسبانيا والبرتغال. وفي الوقت ذاته، تُثار انتقادات تتعلق بسجل المغرب الحقوقي وملف الصحراء الغربية. لكن فيفا، كالعادة، تختار الاحتفال الكبير: “الإنسانية، كرة القدم، الوحدة”، بينما تترك الأسئلة السياسية معلقة خارج الشاشة.

هكذا يصبح إنفانتينو ليس مجرد رئيس اتحاد رياضي، بل مديرًا لخشبة مسرح عالمية تتحرك عليها الدول، والأنظمة، واللوبيات، والمليارات. مرة يقف مع ترامب ويمنحه جائزة سلام. مرة يفتح الباب أمام السعودية. مرة يغازل إسرائيل بفكرة استضافة مشتركة مع الإمارات. مرة يرفض معاقبة إسرائيل باسم الحوار. وفي كل مرة يعود إلى الجملة ذاتها: لا سياسة في كرة القدم.

لكن الحقيقة أن كرة القدم في عهد إنفانتينو غارقة في السياسة حتى العظم. السياسة موجودة في اختيار المضيف. في منح الجوائز. في قبول أموال الأنظمة. في الصمت عن الاحتلال. في معاقبة دولة واستثناء أخرى. في تحويل غزة إلى مشروع “إعمار رياضي” تديره ترتيبات ما بعد الحرب. في محاولة فرض مصافحة فلسطينية–إسرائيلية بينما الدم لم يجف بعد.

لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل يجب أن تبقى السياسة خارج كرة القدم؟ السؤال الحقيقي هو: أي سياسة تسمح بها فيفا، وأي سياسة تقمعها؟ ولماذا تصبح الرياضة أداة عقاب ضد روسيا، وأداة تطبيع مع إسرائيل؟ ولماذا تتحول حقوق الإنسان إلى سلاح ضد بعض الدول، وإلى تفصيل مزعج عندما يكون الجاني حليفًا غربيًا أو شريكًا تجاريًا؟

فيفا اليوم ليست خارج السياسة. إنها داخلها تمامًا، لكنها تختار موقعها بعناية: حيث توجد القوة، والمال، والنفوذ، والحماية الغربية. أما الضحايا، من فلسطين إلى العمال المهاجرين إلى الجماهير الممنوعة، فعليهم أن يقبلوا بالشعارات: وحدة، سلام، حوار، أمل.

وبينما تُرفع هذه الشعارات في الملاعب، تبقى الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: الغرب لا يريد كرة قدم بلا سياسة؛ يريد كرة قدم بلا مساءلة لإسرائيل، وبلا إزعاج لترامب، وبلا تهديد للأموال الخليجية. يريد ملاعب تصفق، لا جماهير تسأل. يريد مصافحات رمزية، لا عدالة حقيقية. يريد أن يستخدم الرياضة لتجميل العالم الذي يصنعه بالقوة، ثم يغضب عندما يطالبه الضحايا بأن تُطبق القواعد على الجميع.