في تطور خطير يعكس حجم الانهيار الذي يشهده المشهد القضائي في تونس، أدان فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة استمرار اعتقال القاضي البارز بشير العكرمي، معتبرًا احتجازه “تعسفيًا وانتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي”، في خطوة تضع السلطات التونسية في مواجهة مباشرة مع منظومة حقوق الإنسان الدولية.
رأي أممي صارم: لا أساس قانوني للاعتقال
في الرأي رقم 2/2025 الصادر في نيسان/أبريل الماضي، أكّد الفريق الأممي أن اعتقال العكرمي يفتقر لأي أساس قانوني، ويصنّف ضمن النوعين الأول والثالث من الاعتقال التعسفي، وهو ما يعني أن التوقيف تم دون سند قانوني، وبطريقة تنتهك معايير العدالة والإجراءات القضائية النزيهة.
اللافت أن التقرير يربط بين اعتقال العكرمي وبين قرارات الرئيس قيس سعيّد بحل المجلس الأعلى للقضاء وفرض قبضة تنفيذية على السلطة القضائية، ما يؤكد أن ما جرى ليس إجراءً فرديًا، بل جزء من مسار ممنهج لإخضاع القضاء للسلطة الرئاسية.
محاكمات انتقامية.. وتوظيف الطب النفسي كأداة قمع
لم تكتف السلطات بإيقاف العكرمي عن العمل ثم عزله في يونيو 2022 ضمن حملة شملت 57 قاضيًا، بل تجاوزت ذلك إلى ممارسات تعسفية غير مسبوقة. ففي فبراير 2023، تم اقتحام منزله واعتقاله دون إذن قضائي أو توضيح التهم الموجهة إليه. ثم نُقل لاحقًا إلى مستشفى “الرازي” للأمراض النفسية دون قرار قضائي، بناءً على تقرير طبي يُرجح أن يكون قد كُتب تحت ضغط أمني.
التقرير الأممي لفت أيضًا إلى تكرار محاكمة العكرمي على نفس التهم رغم حفظ القضايا سابقًا، في مخالفة صريحة لمبدأ “عدم محاكمة الشخص مرتين على الجريمة نفسها”، أحد أركان المحاكمة العادلة.
التعذيب والحرمان من المحامي.. انهيار المعايير الدنيا
بحسب إفادات التقرير، تعرّض القاضي العكرمي خلال احتجازه لـالتعذيب عبر الحرمان من النوم، وتم منع محاميه من زيارته، وتعمّدت السلطات التلاعب بإجراءات التحقيق لمنعه من الدفاع عن نفسه، وهي ممارسات تمثّل وفق القانون الدولي انتهاكًا صارخًا للمادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
أزمة استقلال القضاء.. هل خرجت تونس من دائرة الديمقراطية؟
يشدد الفريق الأممي على أن ما جرى مع العكرمي ليس حادثًا معزولًا، بل جزء من انهيار أوسع لمنظومة العدالة في تونس بعد قرار الرئيس قيس سعيّد حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وتعيين مجلس مؤقت خاضع لسلطته، في مسار خطير يجهز على ما تبقى من فصل السلطات واستقلال المؤسسات.
ورغم أن المحكمة الإدارية في تونس ألغت قرار عزل العكرمي وأمرت بإعادته لمنصبه، إلا أن السلطة التنفيذية رفضت تنفيذ القرار القضائي، في تأكيد على تآكل الثقة بالمؤسسات وتضاؤل دور القضاء كمؤسسة ضامنة للحقوق.
دعوة دولية للمحاسبة: هل تتجاوب تونس؟
الأمم المتحدة لم تكتف بإدانة الانتهاكات، بل طالبت صراحة بـ:
-
الإفراج الفوري وغير المشروط عن القاضي بشير العكرمي.
-
تعويضه بشكل عادل عن الأضرار التي لحقت به.
-
فتح تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
-
إحالة الملف إلى المقررة الخاصة باستقلال القضاة لاتخاذ خطوات إضافية.
لكن أمام تمسّك السلطة بنهج الإنكار والصدام مع المعايير الدولية، يُطرح السؤال: هل تستجيب تونس للنداءات الدولية، أم تمضي في ترسيخ الحكم الفردي وتقويض دولة القانون؟
اقرأ أيضا: مهندس الصفقات القذرة: كيف غطّى منصور بن زايد حروب الإمارات بالاستثمار الرياضي؟