تشهد محافظة الجوف اليمنية، المحاذية للحدود السعودية، تصعيداً عسكرياً هو الأشد منذ أشهر، بعد اندلاع قتال عنيف بين قوات الجيش اليمني التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، وبين مسلحي جماعة “أنصار الله” الحوثيين، في وقت يعكس هشاشة الهدنة غير المعلنة، وعودة التوتر في واحدة من أكثر الجبهات حساسية بالنسبة للسعودية.

ففي ساعات مبكرة من صباح السبت، أعلن المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن وحدات من المنطقة العسكرية السادسة صدّت هجوماً واسعاً شنّته ميليشيا الحوثي على مواقع عسكرية شرق محافظة الجوف، وتحديداً في قطاع جواس، الذي يشكّل عقدة تماس مركزية بين الطرفين منذ سنوات. وبحسب ما نقله المركز عن مصادر عسكرية، فإن الهجوم الحوثي جاء كرد فعل مباشر على التقدم المفاجئ الذي حققته قوات الجيش خلال الأيام الماضية شرق مدينة الحزم، المركز الإداري للمحافظة، والتي تخضع لسيطرة الحوثيين منذ أكثر من أربع سنوات.

المعارك –وفق بيان الجيش– اتسمت بالشراسة، إذ استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وتمكنت خلالها القوات الحكومية من كسر الهجوم الحوثي وإجبار المسلحين على التراجع، بعد تكبّدهم خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. كما نفّذت قوات الجيش هجمات بالطيران المسيّر استهدفت مركبات عسكرية للحوثيين، وأسفرت –وفق الرواية الحكومية– عن تدمير عدد منها ومقتل وإصابة من كانوا على متنها.

ولم يخلُ المشهد من مفارقة لافتة، إذ قال الجيش إن لغماً أرضياً زرعه الحوثيون انفجر بإحدى مركباتهم أثناء انسحابها من جبهة القتال، ما اعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على أن المعارك دارت في مناطق شديدة التعقيد ميدانياً.

حتى اللحظة، لم تصدر جماعة الحوثي أي تعليق على تفاصيل الهجوم أو نتائجه، كما لم يتسن الحصول على تأكيد مستقل من مصادر محايدة، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق المواجهة. لكنّ المؤكد أن الجبهات الملاصقة للحدود السعودية، خصوصاً في الجوف وصعدة وحجة، أصبحت تشهد نشاطاً عسكرياً متزايداً منذ بداية العام، بما يوحي بأن الهدوء الذي فُرض بفعل الوساطات الإقليمية والدولية قد بدأ يتآكل.

تقدم مفاجئ.. ورسائل متبادلة

الجيش اليمني كان قد حقق خلال الأيام الماضية تقدماً ميدانياً مفاجئاً باتجاه مناطق التماس شرق الحزم، في خطوة أعادت رسم خطوط السيطرة جزئياً في المحافظة التي تُعد بوابة طبيعية نحو صعدة، معقل الحوثيين، كما أنها تمثل شريط تماس طويل مع الحدود السعودية. هذا التقدم، وإن بدا محدوداً، إلا أنه أثار ردود فعل داخل جماعة الحوثي، التي سارعت إلى شن هجوم مضاد لاستعادة زمام المبادرة.

خريطة المعارك الجديدة في الجوف تكشف عن تطورات تتجاوز حدود المناوشات الميدانية، إذ تأتي بعد أسابيع من تصريحات حوثية شديدة اللهجة، هاجمت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، محذّرة إيّاه من الانخراط في حرب جديدة ضد اليمن “بإيعاز من الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي”، بحسب وصف القيادات الحوثية.

فقد قال القيادي في الجماعة عبد الله النعيمي إن “ابن سلمان لم يستفد من عدوان استمر ثماني سنوات، بدأه بتحالف عربي – أمريكي – إسرائيلي”، في إشارة واضحة إلى أن الجماعة ترى أن الرياض قد تعود للمسار العسكري، رغم التفاهمات التي كانت قائمة خلال العام الماضي. وأضاف النعيمي أن “أمريكا سترمي به إلى وسط المعركة ثم تتخلى عنه، كما تخلت عن نتنياهو”، في خطاب يعكس رغبة الجماعة في استثمار الضغط الدولي على السعودية، ودفعها نحو القبول بما يسمونه “الواقع الجديد”.

من جانبه، شدد عضو المكتب السياسي للحوثيين علي القحوم على أن على الرياض “قبول اليمن كدولة وثورة تمثل تطلعات الشعب”، مؤكداً أن أبواب السلام “مفتوحة لمن أراد”، لكن بشروط واضحة: وقف العدوان، فك الحصار، إنهاء الاحتلال، جبر الضرر، وإعادة الإعمار.

سعودية وإمارات.. إرث من الدمار

رغم أن الجبهات التي تشهد المواجهات الحالية ليست خاضعة مباشرة لقوات موالية للإمارات، إلا أن الدور السعودي ـ الإماراتي يظل حاضراً في خلفية المشهد. فالحرب التي استمرت ثماني سنوات وأدت إلى تفكيك الجغرافيا اليمنية، كانت ثمرة مباشرة لتدخل الدولتين، عبر دعم فصائل متصارعة، وتمويل تشكيلات موازية، وإعادة هندسة موازين القوى بما يخدم نفوذهما.

الجوف، التي كانت بوابة للتعاون الأمني والعسكري بين الرياض وصنعاء قبل الحرب، تحوّلت مع الوقت إلى واحدة من أكثر المحافظات تضرراً، بعدما أصبحت منطقة استنزاف مفتوح، نتيجة سوء إدارة الملف العسكري من قبل التحالف، وتعدد الولاءات داخل المعسكر الموالي للحكومة.

اليوم، ومع عودة الاشتباكات إلى الواجهة، يبدو اليمن أمام حلقة جديدة من الصراع الذي لم يفكّك فقط الدولة، بل دمّر البنية التحتية، وأنتج مجاعة ونزوحاً ووقائع ميدانية معقدة لا تجد طريقها إلى الحل. وبينما تتبادل الأطراف اليمنية الاتهامات، يبقى الثابت أن التدخل السعودي ـ الإماراتي كان العامل الأكبر في تدمير البلاد، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وخلق جبهات لا تنطفئ.

خلاصة

معارك الجوف ليست مجرد اشتباكات عابرة، بل مؤشر على ما قد يكون بداية مرحلة جديدة من الصراع، في ظل انسداد سياسي مزمن، وغياب حل شامل قادر على إنهاء الحرب. ومع استمرار التوترات، وعودة الاشتباكات قرب الحدود السعودية، لا تبدو الطريق إلى التهدئة مفتوحة إلا إذا تغيّر نهج الرياض وأبوظبي، وتوقفتا عن التعامل مع اليمن باعتباره ساحة نفوذ، وليس دولة ذات سيادة تبحث عن استقرار ضائع منذ سنوات.

اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجّج حرب الفاشر وتقدم للجيش السوداني في كردفان