في فضيحة دولية مدوية تكشف الوجه الإجرامي لسياسات أبوظبي التخريبية في المنطقة، أزاح تحقيق استقصائي نشرته صحيفة “ديلي تليغراف” البريطانية الستار عن شبكة من المعسكرات الإماراتية السرية الممتدة في شرق وجنوب ليبيا. وتُستخدم هذه القواعد غير القانونية كمراكز لوجستية ومقرات تدريب عسكرية لإعداد وتأهيل المقاتلين المرتزقة، وعلى رأسهم عناصر ميليشيا الدعم السريع السودانية، على استخدام الأسلحة الثقيلة وتوجيه الطائرات المسيّرة، قبل الدفع بهم لارتكاب المجازر داخل الأراضي السودانية.
واستند التحقيق، الذي أعدته منظمة “لايتهاوس ريبورتس” الهولندية بالتعاون مع جهات متخصصة في التحقيقات المرئية والمصادر المفتوحة، إلى شهادات حية لمنشقين عن ميليشيا الدعم السريع ومصادر ليبية، فضلاً عن تحليل دقيق لصور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو المتداولة. ونجح المحققون في تحديد أربعة معسكرات سرية لم تكن موثقة سابقاً تقع داخل مناطق نفوذ ما يُعرف بالجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

شهادات المنشقين: مرتزقة كولومبيون بتمويل إماراتي وإشراف روسي
ونقل التقرير شهادة منشق من الدعم السريع (استخدم اسماً مستعاراً “أحمد”)، أكد فيها أنه أمضى ثلاثة أشهر داخل “المعسكر 17” قرب مدينة بنغازي، ليتلقى تدريبات مكثفة على مدافع “الدوشكا” وقاذفات الصواريخ وقذائف RPG.
وكشف أحمد عن طبيعة المدربين قائلاً إنهم لم يكونوا ليبيين ولا سودانيين، بل أجانب يتحدثون الإنجليزية وتغطي الأجساد والأذرع الأوشام، مشيراً إلى أن المجندين أدركوا لاحقاً أنهم مرتزقة كولومبيون جرى استقدامهم وإدارتهم بتمويل مباشر من دولة الإمارات.
وتتقاطع هذه الشهادات الخطيرة مع ما يلي:
- تقارير حقوقية سابقة: أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن المرتزقة الكولومبيين جرى التعاقد معهم عبر شركات أمنية خاصة مقيمة في الإمارات، حيث مروا عبر قواعد عسكرية داخل أبوظبي قبل انتشارهم الميداني.
- إشراف قتالي متعدد: أوضح منشق آخر أن عناصر روسية كانت تتولى الإشراف على القيادة العملياتية في إحدى القواعد السرية بمنطقة “الجفرة” وسط ليبيا، بينما أدار الليبيون الشؤون الإدارية، مؤكداً رؤية مدرعات وأسلحة متدفقة تحمل بوضوح عبارة “صنع في الإمارات”.
شبكة إمداد دولية مشبوهة ومركبات الموت الفاشية
ودعم فريق التحقيق هذه الروايات بتحليل آلاف المقاطع المنصوبة على منصات “تيك توك”، و”فيسبوك”، و”تلغرام”، والتي وثقت الحضور الكثيف لعناصر الجنجويد داخل ليبيا والتنسيق المباشر مع قوات حفتر. ورصد المحققون شاحنات من طراز “تويوتا لاند كروزر 79″، وهي ذات المركبات التي ربطها محققو الأمم المتحدة سابقاً بشحنات الأسلحة المهربة من الإمارات إلى الدعم السريع.
جغرافيا الإجرام الإماراتي وخريطة تهريب السلاح لغزو السودان:
لا تتوقف الجرائم الإماراتية عند حدود المعسكرات الليبية؛ بل يدير نظام أبوظبي شبكة إمداد معقدة تخترق القارة الأفريقية لإشعال حرب الإبادة في السودان، تشمل:
- الممر الليبي والتشادي والأوغندي: استخدام الأراضي الليبية ومطارات في تشاد وأوغندا لنقل العتاد الثقيل والمقذوفات تحت غطاء شحنات “المساعدات الإنسانية”، وهو ما فضحته سابقاً صحيفة “نيويورك تايمز”.
- المحور الإثيوبي وأرض الصومال: تلقي الميليشيا دعماً سرياً عبر قاعدة عسكرية إثيوبية في مدينة “أسوسا”، بالتوازي مع رصد شحنات مركبات عسكرية في ميناء “بربرة” بأرض الصومال؛ حيث تحظى الإمارات بنفوذ عسكري مباشر.
طبول الحرب في “الأبيض” والتواطؤ البريطاني المخزي
ويأتي الكشف عن هذه المعسكرات السرية في وقت تتصاعد فيه المخاوف الدولية من هجوم شامل وشيك تخطط له ميليشيا الدعم السريع لغزو مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، والتي حذرت وزيرة الداخلية البريطانية، إيفيت كوبر، من أنها باتت على شفا “ارتكاب فظائع مدمرة” بسبب الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة الإماراتية واستهداف البنية التحتية والمواطنين.
وتطرق التحقيق إلى التواطؤ السياسي الذي يمنح الإمارات غطاءً دولياً لمواصلة جرائمها؛ إذ نقلت الصحيفة شهادة المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، ناثانيال ريموند، أمام البرلمان البريطاني، والتي أكد فيها بمرارة أن لندن -بصفتها حاملة ملف السودان في مجلس الأمن- لم تتخذ أي إجراءات حازمة أو عقوبات ضد أبوظبي خشية الإضرار بعلاقاتها ومصالحها الاقتصادية مع الإمارات.
يضع هذا التحقيق الاستقصائي البريطاني المجتمع الدولي أمام حقيقة وحشية لا تقبل التأويل؛ فدولة الإمارات لم تعد مجرد ممول خارجي، بل غدت “المهندس والمخرج الجنائي” لغرف العمليات والمعسكرات السرية التي تدير المرتزقة الكولومبيين والروس لتمزيق الدولة السودانية، مراهنةً على دماء الأبرياء وشراء صمت العواصم الغربية بأموال النفط والاستثمارات المشبوهة لترسيخ نفوذها التوسعي فوق جثث الشعوب.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال