في وقت يعيش فيه إقليم دارفور واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، تواجه سكاي نيوز عربية – الممولة إماراتيًا غضبًا واسعًا بسبب تغطية تُتهم بأنها تُخفف من حجم الجرائم التي ترتكبها قوات الدعم السريع في الفاشر وبقية الإقليم.
الشرارة بدأت عندما نشرت القناة تقريرًا ظهرت فيه مراسلتها تسابيح مبارك خاطر وهي تعانق إحدى قائدات الدعم السريع التي سبق أن دعت علنًا لاغتصاب نساء دارفور، في مشهد أثار صدمة دولية واتهامات بالتطبيع مع مرتكبي الجرائم.

صور الأقمار الصناعية تفضح.. والتغطية تُبرّر
التقرير الذي بثّته سكاي نيوز العربية تضمن مقابلة مع طبيب في مستشفى سعودي بمدينة الفاشر، قال إنه لم يشاهد أي جثث داخل المستشفى. لكن صور الأقمار الصناعية التي حللتها مختبرات جامعة ييل كشفت عن قصة مغايرة تمامًا:
- نحو 470 قتيلًا حول المستشفى وحده
- انتشار جثث في الشوارع
- إطلاق نار كثيف
- حرق ودفن جماعي داخل خنادق محفورة مسبقًا
الخبراء الذين نقلت عنهم “ديلي تلغراف” قالوا إن القناة تشوّه الحقائق بالتركيز على صورة واحدة من “غوغل إيرث” استخدمت خطأً بدلًا من الأدلة المؤكدة.
تحليل جامعة ييل: مسار إبادة من ثلاث مراحل
وفق التحليل الأميركي، مرّت الفاشر خلال الأسابيع الماضية بثلاث مراحل متتالية من الجرائم:
- إغلاق طرق الهروب بنيران الدعم السريع.
- تكدّس الجثث بأعداد كبيرة في الطرقات والساحات العامة.
- الحرق والدفن الجماعي داخل مقابر حفرتها قوات الدعم السريع جنوب وغرب المدينة.
هذه النتائج تتناقض بشكل صارخ مع الصورة التي حاولت سكاي نيوز عربية تقديمها عبر تقارير مُخففة تُظهر الحياة “طبيعية” داخل المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا.
غضب داخل سكاي لندن: أين اختفى الاستقلال التحريري؟
التغطية أثارت توترًا داخل غرف تحرير سكاي نيوز في لندن، إذ نقلت “التلغراف” شهادات لصحفيين سابقين قالوا إن اللجنة التحريرية المشتركة التي كان يفترض أن تضمن استقلال سكاي نيوز عربية “تلاشى تأثيرها” مع مرور الوقت.
صحفيون انتقدوا علنًا المحتوى، وعلى رأسهم يسرا الباقر مراسلة سكاي في أفريقيا، التي وصفت التغطية بأنها “دعاية إماراتية” تخدم رواية الدعم السريع.
التمويل الإماراتي.. وسؤال النفوذ الإعلامي
القناة تتبع لصندوق إعلامي إماراتي (IMI) يرأسه الشيخ منصور بن زايد، وهو ما يفتح الباب أمام اتهامات بأن التغطية ليست مجرد خطأ مهني، بل جزء من توجّه سياسي يخدم نفوذ أبوظبي في السودان.
تزامن هذا الجدل مع محاولة الصندوق الإماراتي شراء 15% من صحيفة التلغراف البريطانية، وهي صفقة أثارت مخاوف كبرى حول حرية الإعلام في الغرب قبل أن تنهار لاحقًا.
اتهامات دولية: الإمارات ودعم المليشيا
بالتوازي مع الأزمة، تحدثت تقارير استخباراتية أميركية عن دعم إماراتي مباشر لقوات الدعم السريع ضمن صراع النفوذ والسيطرة على الذهب والأراضي الزراعية والموانئ السودانية.
ورغم نفي أبوظبي، إلا أن توقيت التغطية “المخففة” لسكاي نيوز عربية، وطبيعة المضمون، جعلا كثيرين يرون فيها امتدادًا للمصالح السياسية الإماراتية في السودان.
حظر القناة داخل السودان وتدهور الثقة
الحكومة السودانية قرّرت منع سكاي نيوز عربية من العمل داخل السودان، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة واضحة على تراجع الثقة في القناة.
المنع جاء وسط تحذيرات أممية من تصاعد القتل الجماعي والاغتصاب والنزوح، إذ تجاوز عدد النازحين 8 ملايين سوداني منذ بداية الحرب.
انهيار حرية الصحافة في الإمارات وتأثيره على المحتوى
تأتي الأزمة الإعلامية بينما تحتل الإمارات المرتبة 164 عالميًا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2024، مع بيئة إعلامية تهيمن عليها الأجهزة الأمنية. ويرى خبراء أن هذه البيئة انعكست مباشرة على أداء سكاي نيوز عربية، التي تبدو اليوم – وفق الانتقادات – أقرب إلى ذراع دعاية سياسية منها إلى مؤسسة صحفية مستقلة.
خاتمة: معركة إعلامية لا تقل خطورة عن معركة دارفور
مع استمرار جرائم الدعم السريع في دارفور، وسقوط مزيد من الضحايا كل يوم، يبقى النقاش حول دور سكاي نيوز عربية أكثر من مجرد جدل صحفي. إنه سؤال حول:
كيف تُستخدم المؤسسات الإعلامية لتشكيل الوعي، وتبييض الجرائم، وتغيير رواية الحرب؟
وما لم تواجه القناة أسئلة التمويل والاستقلالية والإطار التحريري، سيظل اسمها مرتبطًا – شاءت أم أبت – بمحاولة تلميع مجازر تُصنَّف دوليًا كإبادة جماعية.
اقرأ أيضًا :