بقلم : مروان جابر
مثل الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى المبارك ورئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس، أمام محكمة الصلح الإسرائيلية، في مشهد يُلخّص مساراً طويلاً من الاضطهاد السياسي والديني الذي تمارسه سلطات الاحتلال بحق واحدة من أبرز الشخصيات الدينية في القدس. الشيخ، البالغ من العمر 86 عاماً، وصل إلى قاعة المحكمة على كرسي متحرك، محاطاً بعشرات المقدسيين الذين التفّوا حوله لإظهار التضامن، في لحظة تختصر حجم الاستهداف الإسرائيلي الممنهج له منذ سنوات.
النيابة العامة الإسرائيلية وجّهت ضد الشيخ قائمة اتهامات تحمل طابعاً سياسياً واضحاً، أبرزها “التحريض على الإرهاب”، و”دعم منظمة معادية”، وذلك على خلفية نعيه الشهيد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خلال خطبة جمعة، إلى جانب كلمات عزاء ألقاها في بيتَي عزاء الشهيدين عدي التميمي ورائد خازم في عام 2022. بالنسبة للاحتلال، مجرد التعزية في شهداء فلسطينيين أو ذكر قادة المقاومة هو تهمة جاهزة، تُستخدم كأداة لضرب أي شخصية قادرة على التأثير في الشارع المقدسي.
المحامي خالد زبارقة، وكيل الشيخ، أكد أن الجلسة الحالية “إجرائية” وليست جوهرية، وأن فريق الدفاع سيطالب بالحصول على كامل الأدلة لتفنيد لائحة الاتهام. وقال زبارقة في تصريحات صحفية إن ما يجري “لا يمكن وصفه إلا بأنه ملاحقة سياسية ممنهجة“، مشيراً إلى أن الهدف ليس المحاكمة بقدر ما هو تقييد الشيخ والتضييق على دوره الديني والوطني.

استهداف ممنهج ومتعدد الأوجه
ما يواجهه الشيخ عكرمة صبري اليوم ليس وليد اللحظة، بل يأتي امتداداً لسلسلة طويلة من الإجراءات الإسرائيلية التي تهدف إلى إخراسه وتهميش رمزيته في القدس. فمنذ سنوات، يتعرض الشيخ لقرارات تعسفية شملت:
- منعه من السفر خارج فلسطين.
- إبعاده المتكرر عن المسجد الأقصى ومنعه من الخطابة فيه.
- قرار بهدم المبنى الذي يضم شقته السكنية.
- منعه من التواصل مع شخصيات فلسطينية محددة.
- حملات تحريضية علنية شنّتها جماعات يمينية متطرفة طالبت صراحة باغتياله.
ورغم تقديم فريق الدفاع وثائق تثبت وجود تهديدات مباشرة لحياة الشيخ، فإن النيابة الإسرائيلية تجاهلتها تماماً، في مؤشر واضح على أن استهدافه قرار سياسي وليس إجراءً قضائياً عادياً.
محاكمة رجل دين أم محاكمة رمز؟
يُجمع المحامون والحقوقيون على أن إسرائيل لا تستهدف الشيخ صبري كشخص، بل تستهدف الرمزية التي يمثلها: فهو خطيب الأقصى، ورئيس الهيئة الإسلامية العليا، وعضو مجلس الأوقاف، ولطالما كان أحد أبرز الأصوات المدافعة عن هوية المسجد الأقصى في مواجهة مخططات التهويد.
هذه المكانة تجعل منه هدفاً مباشراً للاحتلال، خصوصاً أن خطبه تعبّر عن موقف ديني ووطني ثابت وترفض اقتحامات المستوطنين وسياسات تغيير الوضع القائم في الحرم الشريف. لذلك، يرى الاحتلال في استمرار وجود الشيخ على منبر الأقصى خطراً على مشروعه الهادف لفرض السيطرة الأمنية والدينية على المكان.
اليمين الإسرائيلي ودوره في التصعيد
جزء كبير من استهداف الشيخ صبري يأتي استجابة لضغوط اليمين الإسرائيلي، الذي يعتبر الشيخ عقبة أمام مخططاته في القدس. وزراء مثل إيتمار بن غفير وموشيه أربيل لم يخفوا عداءهم المعلن للشيخ، وشاركوا في حملات التحريض ضده، بل طالب بعضهم علناً بـ”معاقبته” على مواقفه السياسية والدينية.
التحريض اليميني لم يقتصر على السياسيين، بل امتد إلى جماعات المستوطنين التي قادت حملة منظمة تطالب بإقصائه من المشهد المقدسي، واعتبرته “عقبة أمام مشاريع التهويد”. ومع سيطرة اليمين المتطرف على مفاصل الدولة، أصبح من السهل تحويل هذه الرغبات إلى قرارات رسمية تأخذ شكل “إجراءات قانونية”، رغم أنها سياسية بامتياز.
لائحة اتهام مفبركة أم محكمة صورية؟
يشير طاقم الدفاع عن الشيخ إلى أن ما يجري اليوم هو جزء من ملف كبير بدأ منذ يوليو/تموز 2024، حين فتحت النيابة تحقيقاً يتهمه بالتحريض على خلفية كلمات تعزية ألقاها قبل عامين. ويؤكد المحامون أن ربط خطابات دينية بكلمات “إرهاب” هو محاولة مبتذلة لإيجاد أرضية قانونية لاستمرار الاستهداف.
انضمام مؤسستَي عدالة و”الميزان لحقوق الإنسان” إلى فريق الدفاع يعكس إدراكاً واضحاً لخطورة القضية، كونها ليست مجرد محاكمة عادية، بل محاكمة لرجل يمثل رأس الهرم الديني الإسلامي في القدس.
أبعاد تتجاوز الشخص إلى الصراع كله
استهداف الشيخ صبري لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتمثل في:
- محاولة فرض السيطرة على المسجد الأقصى عبر تفريغ الساحة من الرموز المؤثرة.
- طمس الدور الديني والسياسي للقدس في الوجدان الفلسطيني والعربي.
- معاقبة الأصوات التي تتضامن مع غزة أو تنتقد جرائم الاحتلال.
ولذلك، تبدو محاكمة الشيخ جزءاً من استراتيجية إسرائيلية شاملة تهدف إلى ترويض المجتمع المقدسي عبر ضرب شخصياته الأكثر تأثيراً، وإرسال رسالة مفادها: “لا أحد فوق العقاب”.
خلاصة
ما يواجهه الشيخ عكرمة صبري اليوم ليس مساراً قانونياً حقيقياً، بل فصل جديد من عمليات التنكيل الإسرائيلية بالرموز الدينية والوطنية في القدس. لائحة الاتهام تحمل طابعاً سياسياً واضحاً، والجلسة الإجرائية تخفي وراءها هدفاً أعمق:
إسكات صوت المسجد الأقصى الذي ظل شوكة في حلق الاحتلال لعقود.