كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، في تحقيق أعدّه مراسلها إليو براتشيه ونُشر في 3 نوفمبر 2025، عن خيوط الدور الإماراتي في تمويل وتسليح مليشيا الدعم السريع في السودان، بالتوازي مع تهاونٍ غربي وصفه دبلوماسيون بأنه «لامبالاة مذنبة» إزاء الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور.
يبدأ التقرير من مدينة الفاشر، التي سقطت في أيدي قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر بعد حصار استمر 18 شهرًا، قُتل خلاله آلاف المدنيين. وعلى الرغم من توثيق الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة لمجازر مروعة، فإن ردّ المجتمع الدولي لم يتجاوز بيانات الإدانة والتعبير عن القلق، دون أي تحرك فعلي.
دبلوماسي غربي قال لـلوموند: «المأساة لم تكن مفاجئة. الجميع كان يعلم ما سيحدث، لكن الدول الغربية فضّلت الاكتفاء بالتصريحات، وبذلك تتحمل مسؤولية جماعية عمّا جرى.»
التقرير يكشف أيضًا أن محادثات سرية جرت في واشنطن ضمن إطار “الرباعية” (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات) بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار، لكنها انهارت في 25 أكتوبر بعد أن أفشلتها أبو ظبي، التي كانت – وفق مصادر دبلوماسية – على علم مسبق بالهجوم الذي شنّته المليشيا على آخر مواقع الجيش السوداني في دارفور، كما يرى مراقبون أن ذلك يثبت أن الإمارات لم تكن طرفًا وسيطًا كما تزعم، بل طرفًا مشاركًا في الحرب.
بحسب تحقيق لوموند، قامت الإمارات بتسيير جسر جوي ولوجستي يمر عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان وأوغندا وميناء بوصاصو في الصومال لتزويد ميليشيا الدعم السريع بالأسلحة والطائرات المسيّرة الصينية الصنع، إضافة إلى مرتزقة كولومبيين تم نقلهم إلى السودان للقتال في دارفور.
الصحيفة نقلت عن خبراء أن هذه الشبكة تمثل نموذجًا لأسلوب عمل إماراتي بات متكررًا في النزاعات الإفريقية، يقوم على توظيف الشركات الخاصة وشبكات المرتزقة لفرض النفوذ الإقليمي.
من أبرز ما أورده التحقيق أن الأسلحة المستخدمة في الحرب تحمل علامات شركات أوروبية معروفة مثل KNDS France وLacroix الفرنسيتين، إلى جانب أسلحة بريطانية وكندية وبلغارية، نُقلت جميعها عبر الأراضي الإماراتية في خرق مباشر للحظر الأوروبي المفروض على السودان.
وفي يوليو الماضي، كشف تحقيق إيطالي أن بعثة الاتحاد الأوروبي البحرية “إيريني” سمحت لسفينة شحن بانامية كانت تحمل ذخائر من ميناء إماراتي إلى ليبيا بمواصلة رحلتها رغم تحذيرات استخباراتية أمريكية بأنها متجهة فعليًا إلى السودان، هذا التجاهل الأوروبي، بحسب التقرير، شكّل أحد أوجه التواطؤ الغربي في استمرار الحرب.
يؤكد التقرير أن علاقة الإمارات بميليشيا حميدتي تمتد منذ سنوات، إذ تُعدّ دبي الوجهة الأساسية للذهب السوداني المهرّب، في حين وفّر حميدتي للإمارات مرتزقة سودانيين للقتال في اليمن.
التحليل السياسي للصحيفة يربط بين هذا التحالف المالي والعسكري وبين سعي أبوظبي إلى توسيع نفوذها في البحر الأحمر وأفريقيا، في ظل دعم غربي غير معلن بسبب المصالح المشتركة في ملفات الطاقة وأوكرانيا وغزة.
المحللة السودانية خلود خير قالت للصحيفة إن الغرب «خُدع عندما سمح للمليشيا باستخدام المفاوضات كغطاء سياسي لارتكاب الفظائع»، مؤكدة أن تداخل المصالح مع الإمارات يمنع أي تحرك دولي حقيقي.
فيما حذّر الباحث الأمريكي كامرون هادسون من أن الحرب كانت ستنتهي منذ زمن لولا الدعم العسكري الإماراتي، مشيرًا إلى أن مدينة الأبيض في شمال كردفان قد تكون الهدف التالي لمليشيا الدعم السريع، حيث تتواصل الانتهاكات بحق المدنيين في مناطق بارا وأم دم حاج أحمد.
تحقيق لوموند لا يكتفي بتوثيق الدور الإماراتي في تمويل الحرب، بل يكشف منظومة دولية من السكوت والتواطؤ جعلت من مأساة دارفور جريمة مفتوحة بلا رادع.
بين طموحات أبو ظبي الإقليمية ومصالح الغرب السياسية، يجد السودان نفسه وحيدًا في مواجهة واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في القرن الحالي.