لم يكن مقتل الرضيع الفلسطيني سام أبو هيكل، البالغ من العمر سبعة أشهر فقط، برصاصة قناص صهيوني اخترقت رأسه الغض في مدينة الخليل قبل أربعة أيام، إلا حلقة جديدة في مسلسل الإجرام الإسرائيلي المنظم الذي يستهدف استئصال الطفولة الفلسطينية. ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي يومياً، عبر رصاص جنوده وصواريخ طائراته الحربية، حصد المزيد من أرواح الأطفال في مختلف الأراضي المحتلة، مستنداً إلى ضوء أخضر دولي وسياسة إفلات كامل من العقاب تحكم سلوك هذا الكيان الفاشي منذ عقود، وتجلت أبشع صورها في قطاع غزة المحاصر منذ 19 عاماً.

وخلال حرب الإبادة الجماعية المستمرة ضد قطاع غزة، ارتكب جيش الاحتلال أكبر مجزرة بحق الطفولة في التاريخ الحديث؛ إذ قتلت آلة الحرب الإسرائيلية قرابة 73 ألف فلسطيني، تشكل نسبة الأطفال منهم نحو 30 في المئة. وتسبب العدوان الهمجي في إصابة أكثر من 173 ألفاً آخرين، معظمهم من الأطفال الذين بترت أطرافهم وتشوهت أجسادهم، يضاف إليهم آلاف المفقودين تحت الركام الذين تبخرت أجسادهم بفعل الأطنان من القنابل والصواريخ الحرارية المحرمة دولياً، في مشهد يندى له جبين الإنسانية وتتعاظم فيه الدلالات على سادية المحتل البغيض.

اغتيال الرضيع سام: شهادة حية على دموية “الزناد السهل”

وأثارت جريمة إعدام الرضيع سام عاصفة غضب عارمة في الأراضي الفلسطينية؛ حيث كشفت شهادة والده المكلوم عن وجه الاستقواء والجبن الذي يتسم به جنود الاحتلال. فالأب أوقف سيارته بالكامل استجابة لأوامر الجنود في وضح النهار، وكانت يداه على المقود دون أي محاولة للفرار، إلا أن الجنود فتحوا نيران أسلحتهم الأوتوماتيكية مباشرة صوب السيارة، لتستقر رصاصة في رأس الرضيع الذي كان ينام في حضن والدته بالمقعد الخلفي، ليفارق الحياة على الفور وتصاب الأم بجروح بالغة.

ورغم محاولات المتحدث باسم جيش الاحتلال كالعادة تبرير الجريمة بادعاء واهٍ وزعمه أن الجنود “اعتقدوا أن السيارة تتسارع باتجاههم” -مع إقراره بأن العائلة مدنية ولا علاقة لها بأي نشاط مسلح- أكدت صحيفة “هآرتس” العبرية في مقال لها أن الكيان أمام “فشل أخلاقي وعملياتي خطير يندرج ضمن سلسلة آخذة في الاتساع من حوادث إطلاق النار القاتلة”. وشددت الصحيفة على أنه لا يجوز قبول اللغة العسكرية الصهيونية التي تصف مقتل الأطفال بأنه “مأساة” أو “خطأ مؤسف” ليدفن الملف في تحقيقات داخلية هزلية، مؤكدة أن الدم الفلسطيني بات مباحاً بشكل اعتيادي مقلق.

سياسة “النمط المتكرر”: استهداف العائلات في مواسم الفرح

ونوّهت التقارير إلى أن جريمة الخليل ليست حادثة معزولة بل هي نمط عملياتي وسلوك عقائدي ثابت يتبعه جيش الاحتلال؛ ففي مارس/ آذار الماضي، قتلت قوات الاحتلال وعناصر “المستعربين” 4 أفراد من عائلة فلسطينية واحدة في بلدة طمون أثناء وجودهم داخل سيارتهم التي خرجوا بها للتسوق استعداداً لعيد الفطر، مخلفين وراءهم أطفالاً جرحى وشهادات قاسية تفضح عقيدة القتل لمجرد القتل.

وحملت الأوساط الحقوقية رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، المسؤولية المباشرة عن تحول عهده إلى الحقبة الأكثر دموية وتدهوراً أخلاقياً، حيث بات إطلاق النار على الأطفال والنساء يتم بسهولة مقلقة ودون أي مساءلة. وتؤكد الوقائع أن المسؤولية الجنائية لا تقع على الجندي الذي ضغط على الزناد فحسب، بل تمتد لتشمل رأس الهرم السياسي والعسكري في تل أبيب الذي يضع القوانين والتعليمات التي تمنح الشرعية لجرائم الحرب وتستبيح دماء الأبرياء.

وفي الخلاصة، فإن تصاعد وتيرة قتل الأطفال في غزة والضفة الغربية يثبت للعالم أجمع أن الكيان الصهيوني هو كيان إرهابي غاصب يقوم وجوده على مصادرة حق الإنسان الفلسطيني في الحياة؛ إن استهداف الأجنة والرضع في أحضان أمهاتهم ليس تفصيلاً عابراً في المشهد اليومي، بل هي حرب صهيونية ممنهجة ضد المستقبل الفلسطيني لكسر إرادة الصمود والتهجير القسري. وستبقى دماء سام أبو هيكل وآلاف الأطفال الشهداء في غزة لعنة تلاحق قادة الاحتلال وجنوده، وشاهداً حياً على سقوط المنظومة الدولية التي تتفرج بصمت وتواطؤ على محرقة الطفولة المستمرة في فلسطين المحتلة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين