في مشهد يعكس حجم التوتر السياسي وتفاقم الصراع بين السلطة والمعارضة، قررت محكمة الاستئناف بالعاصمة تونس، الاثنين، تأجيل النظر في القضية المعروفة إعلامياً بـ”التآمر على أمن الدولة” إلى يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وسط حالة غضب واحتجاجات واسعة لعائلات المعتقلين وهيئة الدفاع، واتهامات متصاعدة للرئيس قيس سعيّد باستخدام القضاء كأداة سياسية لتصفية خصومه.
![]()
تأجيل غير مألوف.. وغياب المتهمين
المحامي وعضو هيئة الدفاع سمير ديلو أكد في تصريح للصحفيين أن قرار التأجيل “غير مألوف في القضايا الجنائية العادية”، مشيراً إلى أن “الدائرة الجنائية لمحكمة الاستئناف قررت التأجيل دون تقديم أسباب واضحة، رغم أن الملف حاضر والمتهمين حاضرون قانونياً”.
اللافت أن المحكمة عقدت جلسة عن بُعد دون حضور غالبية المتهمين، باستثناء من هم في حالة سراح، وهو ما دفع الدفاع والمتهمين للمطالبة بجلسة علنية مفتوحة للإعلام والرأي العام والمنظمات الحقوقية، حفاظاً على الحق في محاكمة عادلة.
هذا الإصرار على الجلسة العلنية يعكس — بحسب مراقبين — خشية السلطة من انكشاف هشاشة الملف، واعتماد الدولة على “أدلة وهمية” و”اعترافات مفبركة” في واحدة من أكبر محاكمات المعارضة منذ انقلاب قيس سعيّد في 25 يوليو 2021.
احتجاجات أمام المحكمة.. “لا لقضاء التعليمات”
تزامناً مع الجلسة، نظّم أهالي المعتقلين وأعضاء هيئة الدفاع وقفة احتجاجية رُفعت خلالها شعارات لافتة مثل:
- “حريات حريات.. لا قضاء التعليمات”
- “محاكمة علنية حق موش مزية”
وسُمح للصحفيين والعائلات بالدخول لحضور جانب من الجلسة، بينما استمرت الهتافات خارج المحكمة للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين والكشف عن حقيقة ظروف اعتقالهم.
إضرابات جوع تتفاقم.. وسقوط الرواية الرسمية
الأزمة الإنسانية داخل السجون تضيف أزمة جديدة للسلطة؛ إذ يواصل أغلب المعتقلين إضرابهم عن الطعام منذ أسابيع، بينهم:
- جوهر بن مبارك الذي نُقل للمستشفى بعد تدهور صحته
- راشد الغنوشي
- عبد الحميد الجلاصي
- عصام الشابي
-
رضا بالحاج
ورغم هذا الوضع، خرجت وزيرة العدل ليلى جفال لتنكر وجود الإضرابات، ساخرة: “الجميع يأكل ويشرب في الخفاء”، مدّعية أن تدهور صحة المضربين “مجرد ادعاءات”.
هذه التصريحات أثارت غضباً واسعاً، واعتُبرت دليلاً على تعمّد السلطة تشويه المضربين وحرمانهم من العلاج، وهو ما أعاد للساحة ذكريات ممارسات الأنظمة البوليسية في عهد بن علي.
أحمد نجيب الشابي: “نحن أمام مسخرة قضائية”
من أبرز التصريحات التي فجّرت الجدل كان موقف السياسي البارز ورئيس جبهة الخلاص أحمد نجيب الشابي—أحد المتهمين في ملف التآمر.
قال الشابي د
“لا يمكن أن أكون أمام مسخرة قضائية أحكامها معروفة مسبقاً. أنا محكوم بـ18 عاماً ابتدائياً وسيتم إقرارها اليوم مادامت السلطة قائمة.”
وأضاف:
“سقوط الحرية اليوم لا يعني نهايتها.. نظام الاستبداد سيسقط، ودائرة قيس سعيّد تتشقق يوماً بعد يوم”.
بحسب الشابي، فإن أي قرار بتأييد الأحكام “لن يزيد السلطة إلا اضطراباً وضعفاً”، خاصة في ظل تزايد الانتقادات داخل البرلمان وحتى من نواب محسوبين على الرئيس، الذين بدأوا — وفق قوله — يشعرون بأن “سفينة قيس سعيّد بدأت تغرق”.
الدفاع يلوّح بالانسحاب: “إما جلسة علنية أو لا مرافعات”
دليلة مصدق، محامية الدفاع، قالت إن هيئة المحامين اتخذت قراراً واضحاً:
“إذا تمسك المعتقلون بالجلسة العلنية ورفضوا الحضور عن بُعد، فالدفاع سيكتفي بالمرافعة في مبادئ المحاكمة العادلة فقط.”
وحذّرت من أنه إذا لم تستجب المحكمة لمطلب العلنية:
“سنقوم بسحب إعلامات النيابة، ولتكن الأحكام دون مرافعات.”
هذا الموقف يعكس قناعة الدفاع بأن نتائج المحاكمة جاهزة مسبقاً، وأن القضاء بات يتحرك بمقتضى “مذكرات” صادرة عن قصر قرطاج وليس بمقتضى القانون.
زوجة الجلاصي: “الأحكام جاهزة.. لكن أصواتنا لن تُخمد”
منية إبراهيم، النائبة السابقة وزوجة المعتقل عبد الحميد الجلاصي، شددت في حديثها لـ”عربي21″ على أن العائلات “متمسكة بجلسة علنية بحضور الإعلام والمراقبين”.
وأضافت:
“ليس لنا أي ثقة في قضاء التعليمات. الأحكام جاهزة، لكن أصواتنا لن تخفت دفاعاً عن العدل.”
وطالبت بنشر جميع التقارير الطبية الخاصة بالمضربين عن الطعام، معتبرة تصريحات وزارة العدل “مخيفة” وتعكس “سياسة الهروب إلى الأمام”.
قضية سياسية بامتياز.. واتهامات فضفاضة
القضية تعود إلى فبراير 2023، حين بدأت التحقيقات واستمرت حتى توسعت لتشمل أكثر من 40 شخصية سياسية وإعلامية ورجال أعمال. وفي أبريل الماضي صدرت أحكام بين 13 و66 عاماً بحق متهمين، أغلبهم من المعارضة.
وتتعلق التهم بـ:
-
التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي
-
تكوين وفاق إرهابي والانضمام إليه
-
محاولة تغيير هيئة الدولة بالعنف
-
إثارة الهرج والسلب والقتل
-
الإضرار بالأمن الغذائي والبيئة
وهي تهم يرى خبراء أنها فضفاضة و”يمكن أن تُلصق بأي معارض”، وهي ذات التهم التي استخدمها قيس سعيّد مراراً لتبرير قمع كل صوت مخالف.
قيس سعيّد.. استبداد يتوسع وقضاء يتحول إلى سيف
ملف “التآمر1” ليس مجرد قضية قضائية، بل جزء من مخطط سياسي متكامل لفرض دولة بوليسية يقودها قيس سعيّد منذ يوليو 2021:
-
حلّ البرلمان
-
السيطرة على القضاء
-
اعتقال المعارضين
-
محاكمات مغلقة
-
ضرب منظمات المجتمع المدني
-
تكميم الإعلام
اليوم، تبدو السلطة مصممة على إخضاع القضاء بالكامل، وملف التآمر—بأحكامه القاسية ومناخاته القمعية—ليس سوى حلقة جديدة في هذا المسار.
لكن احتجاجات العائلات، وتصاعد الإضرابات، واتساع دائرة الرافضين داخل تونس وخارجها، كلها مؤشرات على أن سياسة القمع بدأت تفقد تأثيرها، وأن “دائرة قيس سعيد”—كما قال الشابي—قد تكون فعلاً في مرحلة تصدّع سياسي خطير.
اقرأ أيضًا : خطوات تطبيع بن سلمان: “إسرائيل” تشترط التطبيع لتمرير صفقة “F-35” بين واشنطن والرياض