يعمل محمد بن زايد، بهدوء محسوب، على إعداد ابنه خالد لوراثة أبوظبي لا بوصفه ولي عهد ينتظر دوره فحسب، بل باعتباره مركز القرار القادم في الإمارة الأغنى والأكثر نفوذًا داخل الإمارات. فالرجل الذي بنى حكمه على مزيج من المال السيادي، والأمن، والنفط، والتدخلات الخارجية، يعيد اليوم ترتيب هذه الأدوات حول ابنه، مانحًا إياه حضورًا متصاعدًا في الصفقات العالمية والدبلوماسية والملفات الاقتصادية الحساسة. غير أن هذه الهندسة العائلية لا تبدو خالية من المخاطر؛ إذ إن نقل مركز الثقل من جيل الإخوة إلى جيل الأبناء داخل عائلة آل نهيان قد يفتح الباب أمام توترات مكتومة، خاصة في ظل وجود أعمام نافذين يملكون مواقع أمنية ومالية ضخمة، وعلى رأسهم طحنون بن زايد ومنصور بن زايد. لذلك، لا تبدو عملية تمكين خالد مجرد انتقال سلس للسلطة، بل محاولة دقيقة من محمد بن زايد لتطويق أي انقسام محتمل داخل البيت الحاكم، عبر توزيع المناصب، وإعادة ترتيب الصناديق السيادية، وإغلاق مساحات المنافسة قبل أن تتحول إلى صراع على خلافة أبوظبي.
في الأسابيع الأخيرة، لم يكن ظهور الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان في بكين، ولا لقاءاته مع رؤساء بنوك دولية، ولا توقيعه على استثمارات بمليارات الدولارات، مجرد نشاط دبلوماسي أو اقتصادي لولي عهد شاب داخل إمارة ثرية. ما يجري في أبوظبي أعمق من ذلك بكثير؛ إنه فصل جديد من مشروع محمد بن زايد لإعادة هندسة السلطة في الإمارات، ونقل مركز القرار تدريجيًا إلى ابنه، عبر المال السيادي، والنفط، والأمن، والدبلوماسية، والصناديق العملاقة التي تحولت إلى أدوات حكم ونفوذ لا إلى مجرد مؤسسات استثمارية.
خالد بن محمد بن زايد، البالغ من العمر 44 عامًا، لم يعد يظهر كولي عهد ينتظر دوره في الصف، بل كمدير تنفيذي فعلي لأبوظبي، في مقابل والده الذي يحتفظ بدور الرئيس الأعلى والمتحكم الأخير في اتجاهات الدولة. خلال الفترة الأخيرة، تحرك خالد بين ملفات تبدو متباعدة ظاهريًا لكنها تكشف طبيعة الدور الذي يُصنع له: يزور الصين ويلتقي الرئيس شي جين بينغ، يستقبل كبار المصرفيين العالميين، يوقّع صفقات استثمارية ضخمة، يراجع جاهزية الطوارئ الطبية في أبوظبي، ويتابع خطط “أدنوك” في زمن الحرب. هذه ليست أجندة وريث بروتوكولي، بل برنامج تدريب عملي على إدارة دولة تُدار كغرفة عمليات؛ فيها رأس المال، والطاقة، والأمن، والتدخل الخارجي، وتسويق الصورة كلها أجزاء من منظومة واحدة.
بعد ثلاث سنوات من تعيينه وليًا لعهد أبوظبي، يتقدم خالد بن محمد بوصفه واجهة الجيل الجديد داخل الحكم الإماراتي، لكن خلف هذه الواجهة يقف مشروع شديد الوضوح: محمد بن زايد يريد أن يضمن انتقال السلطة إلى ابنه دون احتكاك داخل العائلة، ودون أن تتحول طموحات الإخوة الأقوياء إلى مراكز نفوذ منافسة. لذلك لا يجري إعداد خالد عبر الخطابات أو الصور الرسمية فقط، بل عبر وضعه في قلب الثروة السيادية لأبوظبي، ومنحه ملفات ثقيلة تجعله ضروريًا للمستثمرين، وللمصرفيين، وللشركات العالمية، وللدول التي تريد الوصول إلى خزائن الإمارة.
المدخل الأكبر لهذا التمكين هو المال. فبالنسبة إلى صناع الصفقات الباحثين عن نصيب من ثروة أبوظبي السيادية التي تتجاوز 1.8 تريليون دولار، أصبح خالد بن محمد لاعبًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه، خاصة بعد ظهوره رئيسًا لصندوق “لعماد”، الصندوق الناشئ الذي تبلغ قدرته الاستثمارية نحو 300 مليار دولار، والذي لم يكن معروفًا على نطاق واسع قبل أن يظهر كأداة استخدمتها أبوظبي لدعم عرض “باراماونت” العدائي البالغ 108 مليارات دولار للاستحواذ على “وارنر براذرز ديسكفري”. هكذا يظهر الوريث الجديد: ليس عبر مشروع سياسي معلن، بل عبر صندوق ضخم يتحرك في قلب الإعلام العالمي، والبنية التحتية، والطاقة، والأسواق.
صندوق “لعماد” ليس مجرد مؤسسة مالية جديدة في بلد غارق بالصناديق السيادية، بل يبدو كمنصة شخصية لتثبيت خالد بن محمد داخل النظام. فقد أعلن الصندوق شراكة مع “غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز” التابعة لبلاك روك، و”تيماسيك” السنغافورية، و”أدنوك”، للاستثمار بـ30 مليار دولار في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وبحسب مصرفيين، فإن صفقات أكبر متوقعة خلال الأشهر المقبلة. وهذا يعني أن محمد بن زايد لم يمنح ابنه لقبًا فقط، بل منحه رأس مال سياسيًا واقتصاديًا ضخمًا، يسمح له بأن يدخل الغرف المغلقة التي يُصنع فيها النفوذ العالمي، لا بوصفه وريثًا محليًا، بل شريكًا ممولًا لا يستطيع كثيرون تجاهله.
لكن هذا التمكين المالي يأتي في لحظة شديدة الارتباك. فالإمارات التي بنت سرديتها خلال السنوات الماضية على أنها واحة استقرار واستثمار وأمن، وجدت نفسها وسط تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وتعرضت، بحسب التقرير، لضربات انتقامية إيرانية، وظهرت كأكثر دول الخليج تشددًا في موقفها. هنا لم تعد مهمة خالد تقتصر على توقيع الصفقات، بل بات عليه أن يؤدي دورًا آخر: طمأنة مديري الأموال والمستثمرين بأن ما حدث مجرد اضطراب مؤقت، وليس بداية مرحلة طويلة من المخاطر الأمنية والسياسية التي قد تهدد نموذج أبوظبي القائم على جذب المال العالمي إلى منطقة ملتهبة.
هذه هي المعضلة التي ورثها خالد حتى قبل أن يرث الحكم كاملًا. عليه أن يبيع للعالم صورة أبوظبي الآمنة، بينما تتحرك الدولة نفسها في قلب صراعات إقليمية مفتوحة؛ وأن يقدم نفسه كوجه اقتصادي حديث، بينما تقف خلفه منظومة أمنية وسياسية شديدة القسوة بناها والده على التدخلات الخارجية، والتحالفات العسكرية، واستخدام المال كأداة نفوذ. فالإمارة تملك قوة مالية هائلة تسمح لها بتجاوز الصدمات، لكن السؤال لم يعد عن قدرتها على الدفع، بل عن قدرة هذا النموذج على الاستمرار عندما تصبح الحرب جزءًا من كلفة النفوذ.
في هذا السياق جاءت زيارة خالد بن محمد إلى الصين. رسميًا، كانت الزيارة جزءًا من تعزيز العلاقات مع أحد أهم الشركاء التجاريين للإمارات. لكن توقيتها كشف أنها كانت أيضًا محاولة لترميم علاقة تعرضت للاختبار بسبب الحرب. فبحسب التقرير، شعرت أبوظبي بالإحباط لأن بكين لم تفعل ما يكفي لدعمها أو للضغط على إيران، خصوصًا في ملف مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي تعتمد عليه دول الخليج في التجارة وصادرات النفط والغاز. بل إن الصين ذهبت أبعد من ذلك عندما استخدمت حق النقض ضد مشروع قرار مدعوم من الإمارات في مجلس الأمن يدعو الدول إلى اتخاذ إجراءات دفاعية لفتح الممر البحري.
انتهت زيارة خالد إلى الصين ببيان تقليدي عن تعزيز العلاقات والتعاون، دون إعلانات جوهرية كبرى. وهذا بحد ذاته يقول الكثير. فالوريث الذي يتم تقديمه كوجه دولي جديد لأبوظبي لم يستطع، في تلك اللحظة، تحويل الزيارة إلى اختراق سياسي واضح. بدا الأمر أقرب إلى محاولة احتواء الضرر مع قوة كبرى لا تريد أن تتحرك وفق حسابات أبوظبي، رغم كل المال والشراكات والتبادل التجاري. هنا تظهر حدود النفوذ الإماراتي: يستطيع شراء حصص، وتمويل صفقات، واستضافة المصرفيين، لكنه لا يستطيع دائمًا إجبار القوى الكبرى على تبني أولوياته الأمنية.
صعود خالد بن محمد يتبع نموذجًا يعرفه والده جيدًا، لأنه النموذج نفسه الذي صعد من خلاله محمد بن زايد. ففي عام 2002، أسس محمد بن زايد “مبادلة” بينما كان يتم إعداده للقيادة في عهد والده الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وبعد وفاة الشيخ زايد عام 2004 وصعود محمد بن زايد إلى ولاية العهد، استخدم “مبادلة” كأداة لتنفيذ خططه التنموية والاقتصادية وترسيخ نفوذه. اليوم، يبدو “لعماد” وكأنه النسخة الجديدة من هذه المعادلة: صندوق ضخم يُصنع حول الوريث، يمنحه حضورًا في الأسواق، ويمنح المستثمرين سببًا للتعامل معه، ويمنح العائلة الحاكمة وسيلة لتقديم انتقال السلطة كأنه إدارة اقتصادية حديثة لا توريث سياسي داخل نظام مطلق.
لكن الفرق أن خالد لا يرث فقط صندوقًا أو اقتصادًا أو إمارة ثرية، بل يرث دولة صنعها والده كقوة إقليمية متدخلة. تحت قيادة محمد بن زايد، لم تعد أبوظبي مجرد عاصمة نفطية صغيرة، بل أصبحت لاعبًا يمزج بين الصناديق السيادية، والشركات العملاقة، والأجهزة الأمنية، واللوبيات، والإعلام، والتدخلات العسكرية والسياسية. هذا الصعود منح الإمارات حضورًا عالميًا، لكنه جرّ عليها أيضًا اتهامات ثقيلة، من دعم قوات الدعم السريع في السودان، إلى التدخل في اليمن وليبيا، إلى تبني سياسة خارجية هجومية جعلت أبوظبي طرفًا مباشرًا أو غير مباشر في أزمات دامية.
من هنا، فإن إعداد خالد ليس مجرد ترتيب عائلي هادئ، بل محاولة لضمان استمرار نموذج محمد بن زايد نفسه، بكل ما يحمله من طموح ونفوذ وأثمان. فالوريث الجديد لا يُقدَّم كرجل إصلاح سياسي، ولا كصاحب مشروع يراجع سياسات والده، بل كامتداد إداري واقتصادي لها؛ نسخة أكثر شبابًا، وأكثر اتصالًا بالمال العالمي، لكنها تتحرك داخل المنظومة ذاتها التي تجعل الأمن فوق السياسة، والثروة فوق المساءلة، والعائلة فوق الدولة.
عندما عيّن محمد بن زايد ابنه خالدًا وليًا للعهد ورئيسًا للمجلس التنفيذي في أبوظبي عام 2023، كان يدرك أن نقل الخلافة من جيل الإخوة إلى جيل الأبناء قد يفتح بابًا للحساسيات داخل الأسرة. لذلك جاءت التعيينات المصاحبة كجزء من عملية توازن دقيقة. فقد منح إخوته مناصب كبيرة، وأعاد توزيع المسؤوليات بينهم، بما بدا وكأنه محاولة لاحتواء الطموحات وطمأنة اللاعبين الأقوياء داخل البيت الحاكم، دون أن يتراجع عن الهدف الرئيسي: تثبيت خالد كخليفة قادم.
أبرز هؤلاء هو الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني، الذي كان يُنظر إليه في السابق كمرشح محتمل لولاية العهد، أو على الأقل كأحد أقوى رجال النظام. عُيّن طحنون نائبًا لحاكم أبوظبي ورئيسًا لجهاز أبوظبي للاستثمار، أكبر صندوق سيادي في الإمارة بأصول تبلغ نحو 1.1 تريليون دولار. أما الشيخ منصور بن زايد، مالك نادي مانشستر سيتي، فقد عُيّن نائبًا لرئيس دولة الإمارات، وحل محل محمد بن زايد في رئاسة “مبادلة”. هذه ليست مجرد مناصب شرفية، بل مفاتيح مال ونفوذ، ووسائل لإبقاء الإخوة داخل ترتيبات السلطة دون تركهم خارجها بما قد يخلق صدامًا مكتومًا.
ثم جاءت خطوة يناير لتكشف بوضوح كيف يجري تعزيز موقع خالد ماليًا على حساب مراكز نفوذ أخرى، حين دُمجت أصول “القابضة” ADQ، التي تبلغ 263 مليار دولار، وكانت برئاسة طحنون، في صندوق “لعماد”. هذه الخطوة لا يمكن قراءتها كمجرد إعادة تنظيم مالية بريئة. إنها جزء من استراتيجية طويلة المدى لتمكين خالد محليًا، ووضع محفظة اقتصادية ضخمة تحت يده، وتجنب ظهور كتل سلطة منافسة بينه وبين أعمامه. بمعنى آخر، محمد بن زايد لا يكتفي بتعيين ابنه وليًا للعهد، بل يعيد ترتيب خريطة الأموال حوله، لأن السلطة في أبوظبي لا تُقاس بالمناصب وحدها، بل بحجم الصناديق التي تستطيع التحكم بها.
ومع ذلك، لا يزال طحنون يحتفظ بثقل هائل داخل الدولة. فهو مستشار الأمن الوطني، ورئيس جهاز أبوظبي للاستثمار، والمشرف على “الشركة العالمية القابضة”، التكتل الضخم الذي أصبح قوة مهيمنة في اقتصاد أبوظبي. لذلك يبدو المشهد كعملية موازنة معقدة: تمكين خالد من جهة، وعدم كسر نفوذ الأعمام من جهة أخرى؛ رفع الابن إلى الواجهة، دون استفزاز مراكز القوة التي ساهمت في بناء دولة محمد بن زايد الأمنية والمالية. إنها خلافة لا تُترك للمصادفة، بل تُدار كما تُدار الصفقات الكبرى: توزيع حصص، ضبط مخاطر، وإغلاق مسارات المنافسة مبكرًا.
إعداد خالد بدأ قبل ذلك بكثير. ففي عام 2010، منحه والده أول ملف دولي مهم عندما كلفه بإدارة النزاع مع “بلاك بيري”، بعدما هددت أبوظبي بحظر الجهاز بحجة مخالفته الإطار التنظيمي للدولة. كانت القضية في ظاهرها تقنية، لكنها في جوهرها أمنية بامتياز. الدولة الإماراتية، المهووسة بالسيطرة على الاتصالات والبيانات، اتهمت الشركة الكندية بإرسال بيانات مشفرة إلى الخارج بعيدًا عن البنية المحلية للاتصالات، ما أثار أزمة دولية وانتقادات من واشنطن، قبل أن تُحل القضية بإعلان أبوظبي أن “بلاك بيري” استوفت شروطها.
هذه الواقعة المبكرة مهمة لأنها تكشف طبيعة المدرسة التي تخرّج منها خالد بن محمد. لم يبدأ الرجل من ملفات اجتماعية أو إصلاحية، بل من ملف يجمع بين الأمن، والرقابة، والتكنولوجيا، والسيادة الرقمية، ومواجهة شركة عالمية تحت عنوان حماية الدولة. كان ذلك درسًا مبكرًا في الطريقة الإماراتية للحكم: لا فصل بين الاقتصاد والأمن، ولا بين التنظيم والسيطرة، ولا بين الدولة والسوق عندما يتعلق الأمر بقدرة النظام على المراقبة والتحكم.
لاحقًا، دخل خالد المجلس التنفيذي لأبوظبي عام 2019، ونسج علاقات وثيقة مع شخصيات غير ملكية لكنها شديدة النفوذ، مثل خلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لـ“مبادلة”، وسلطان الجابر، رئيس “أدنوك”، وهما من أبرز رجال دولة محمد بن زايد خارج العائلة. لكن ولي العهد لم يكتف بوراثة شبكة والده، بل بدأ في بناء دائرته الخاصة، عبر الدفع بمقربين منه مثل جاسم الزعابي، الرئيس التنفيذي لـ“لعماد” ورئيس دائرة المالية في أبوظبي. وهذا يوضح أن عملية انتقال السلطة ليست رمزية، بل عملية بناء فريق كامل، وتحالفات داخل الإدارة، وشبكة ولاء جديدة تدور حول الوريث.
توصيف بعض المقربين من المشهد لدور خالد بأنه مسؤول عن “الإدارة اليومية للمدينة” يكشف حقيقة المرحلة الراهنة. أبوظبي لا تنتظر موت الحاكم أو غيابه كي يبدأ انتقال السلطة، بل تنقله تدريجيًا وبهدوء، بحيث يتعامل العالم مع خالد اليوم كما سيتعامل معه غدًا. هو يلتقي الرؤساء، ويدير الصناديق، ويتابع النفط والطوارئ، ويبني فريقه، ويتحرك في الملفات التي تجعل منه رجل المرحلة المقبلة قبل أن يصبح رسميًا رجل القمة.
لكن خلف هذه الصورة المصقولة، يظهر جوهر النظام الإماراتي كما هو: سلطة عائلية مطلقة تُلبس نفسها ثوب الحوكمة الحديثة، وتقدم التوريث كأنه تخطيط مؤسسي، وتحول الصناديق السيادية إلى أدوات لتثبيت الوريث، وتستخدم العلاقات الدولية والصفقات العملاقة كوسيلة لصناعة الشرعية. محمد بن زايد لا يترك انتقال الحكم للطبيعة، ولا يسمح بتكرار صراعات الخلافة التي عرفتها ملكيات خليجية أخرى، بل يحاول أن يغلق الملف مسبقًا عبر مزيج من المال، والمناصب، وإعادة توزيع النفوذ، وإدخال ابنه تدريجيًا إلى كل غرفة تُتخذ فيها القرارات الثقيلة.
لذلك فإن قصة خالد بن محمد ليست قصة أمير شاب يستعد للمستقبل، بل قصة نظام يستعد لإعادة إنتاج نفسه. إنها قصة أبوظبي التي تريد أن تقول للعالم إن لديها جيلًا جديدًا من القادة، بينما الحقيقة أن ما يتغير هو الواجهة لا البنية؛ اسم جديد في المقدمة، لكن الأدوات ذاتها باقية: صناديق سيادية ضخمة، دولة أمنية، تدخلات خارجية، نفوذ إعلامي ورياضي، وتحالفات مع كبار المال والسياسة في العالم.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان خالد بن محمد قادرًا على إدارة أبوظبي، بل أي أبوظبي سيُطلب منه إدارتها. هل هي المدينة اللامعة التي تستقبل المصرفيين وتوقّع الصفقات وتشتري الأصول العالمية، أم الدولة التي تتدخل في حروب المنطقة وتراكم الانتقادات الحقوقية وتتعامل مع السلطة كملكية عائلية مغلقة؟ الأرجح أنه يرث الاثنين معًا: الواجهة الثرية التي يراها المستثمرون، والآلة الصلبة التي بناها محمد بن زايد خلف الواجهة.
وهنا تكمن خطورة اللحظة. فمحمد بن زايد لا يعدّ ابنه لحكم دولة طبيعية ذات مؤسسات قابلة للمساءلة، بل يجهزه لقيادة مشروع سلطوي إقليمي يستخدم المال كنفوذ، والأمن كعقيدة، والدبلوماسية كواجهة، والصناديق كأذرع تمدد. خالد بن محمد قد يبدو في الصور أميرًا هادئًا يلتقي القادة ويوقّع الصفقات، لكنه في الواقع يقف في قلب عملية توريث كبرى، هدفها أن يستمر نظام أبوظبي كما صنعه والده: غنيًا، نافذًا، عدوانيًا، شديد السيطرة، وقادرًا على شراء الصمت أو النفوذ حيثما احتاج.