على مدار سنوات من الاقتتال الدامي، فضحت الحرب الأهلية في السودان الأبعاد الحقيقية وجرائم شبكة النفوذ الإماراتية المتنامية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مظهرة تورط أبوظبي العميق والمستمر في تدمير المشهد السياسي والعسكري للبلاد. وفي الوقت الذي انصب فيه الاهتمام الدولي على الكارثة الإنسانية المتفاقمة وتطورات المعارك الميدانية، يسلط التحليل السياسي والاستخباري الأخير ضوءاً كاشفاً على الحسابات الإستراتيجية والأطماع التوسعية التي دفعت نظام محمد بن زايد إلى الانخراط الإجرامي في السودان، مؤكداً أن الصراع الحالي لا يمكن فهمه أو فك شفراته البشعة عبر الديناميكيات الداخلية السودانية فحسب، بل باعتباره طعنة خارجية برأس مال إماراتي.

وتكشف المعطيات أن الدور التخريبي للإمارات في السودان يشكل جزءاً عضويّاً من إستراتيجية إقليمية أوسع نطاقاً جرى هندستها وتطويرها على مدى أكثر من عقد من الزمان؛ بهدف بسط الهيمنة وتوسيع النفوذ الإماراتي عبر ممر البحر الأحمر، ودول القرن الأفريقي، والسيطرة على الطرق الاقتصادية والأمنية الحيوية التي تربط القارة الأفريقية بـالخليج العربي. وبحسب الأدلة الموثقة مؤخراً، فقد استغلت أبوظبي حالة الاضطراب الإقليمي التي أعقبت انتفاضات الربيع العربي لتعزز بشكل ملحوظ وجودها السياسي والمالي المشبوه داخل السودان، مستهدفة موقعه الجغرافي الفريد، وموارده الزراعية الهائلة، وقربه من الممرات البحرية ليكون بوابة عبور وقرصنة نحو العمق الأفريقي.

ما بعد سقوط البشير: صناعة الميليشيات واختراق المؤسسة الأمنية

وتشير الأدلة والتقارير الاستقصائية الدولية إلى أن التدخل الإماراتي الخبيث تسارع بشكل جنوني عقب سقوط نظام عمر البشير؛ إذ تعمدت أبوظبي القفز فوق تطلعات الشعب السوداني في الحرية والسيادة، وعمدت إلى بناء وتوسيع علاقات مالية وعسكرية مباشرة مع شخصيات متمردة ونافذة داخل المنظومة الأمنية، وفي مقدمتها ميليشيا الدعم السريع. وخروجاً عن أعراف العلاقات الدبلوماسية التقليدية بين الدول، مكنت هذه الأموال والارتباطات السرية نظام أبوظبي من تشكيل شبكات ضغط ونفوذ مسلحة قادرة على توجيه المخرجات السياسية، وفرض أجندة الوصاية خلال فترات الانتقال الهشة.

وتؤكد هذه النتائج مدى تحول أرض السودان إلى “ساحة اختبار ومختبر” للطموحات الإمبراطورية الواهمة للإمارات؛ فبدلاً من التعامل مع السودان كدولة عربية شقيقة تستحق الدعم لتجاوز أزماتها، تعاملت معها عاصمة التطبيع كـ “أصل استراتيجي” وجائزة جغرافية ضمن منافسة جيوسياسية شرسة تدور رحاها في حوض البحر الأحمر. وباتت السيطرة على الموانئ السودانية، وخنق طرق التجارة، وبسط اليد على الإنتاج الزراعي والأراضي الخصبة، محركات أساسية في عقيدة التدخل الإماراتي، حيث تترابط الاستثمارات الصورية في البنية التحتية مع الشراكات الأمنية المشبوهة لتشكل أداة استعمار ناعم سرعان ما تحول إلى محرقة عسكرية.

عسكرة القرن الأفريقي وتأجيج المحرقة بدلاً من التسوية

وأدى هذا الضخ المالي والتسليحي الإماراتي اللامحدود للميليشيات المتمردة إلى زيادة صلف الفصائل وتغذية أوهام السيطرة لديها، مما خلق ظروفاً كارثية شجعت على المواجهة المسلحة ونسف الدولة بدلاً من الانصياع للحلول السياسية والتسوية الوطنية. وبمجرد اندلاع شرارة الحرب، وجدت أبوظبي في استمرار نزيف الدم السوداني دافعاً للحفاظ على نفوذها ومكتسباتها غير الشرعية؛ مما ساهم بشكل مباشر في تصعيد الأزمة واستدامتها وتفشيل كافة مساعي التهدئة العربية والأفريقية، وتحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وبسط النفوذ على حساب أشلاء المدنيين.

وفي الخلاصة، فإن حرب السودان مثلت الفاضح الأكبر لنموذج “عرض القوة الإماراتي الإجرامي” في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، وهو نموذج يتجاوز حدود الدبلوماسية ليعتمد على عسكرة المنافذ، وتمويل الانقلابات، وزرع الكيانات الموازية للجيوش الوطنية. إن استخدام القوة الاقتصادية المشبوهة كغطاء لتمرير صفقات السلاح والمسيّرات التي دمرت الخرطوم والجزيرة ودارفور، يضع النظام الإماراتي في خانة المتهم الأول عن هندسة أسوأ كارثة إنسانية في القارة؛ وستبقى دماء ملايين النازحين والشهداء السودانيين لعنة تطارد قادة أبوظبي، وشاهداً حياً على أن أموال التطبيع والعمالة لم تدخل بلداً إلا وأفسدته وحولته إلى ركام لخدمة أطماعها التوسعية المرفوضة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين