بدأ الناخبون في مصر الإدلاء بأصواتهم في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، التي تجرى على مدار يومين في 14 محافظة، وسط أجواء توصف بأنها “شكلية” أكثر منها ديمقراطية، في ظل هيمنة النظام الحاكم على الحياة السياسية، وتراجع الأصوات المعارضة بعد موجات القمع الواسعة التي أعقبت انقلاب 2013.
ووفقاً لبيانات الهيئة الوطنية للانتخابات، يبلغ عدد من يحق لهم التصويت في هذه المرحلة نحو 35 مليون ناخب، بينما يتنافس 1281 مرشحاً على النظام الفردي، إضافة إلى قائمة واحدة موحدة تحمل اسم “القائمة الوطنية من أجل مصر”، التي تضم أحزاباً موالية للرئيس عبد الفتاح السيسي.
أما المرحلة الثانية فستُجرى في 13 محافظة يومي 24 و25 نوفمبر بالداخل، بعد أن صوّت المصريون في الخارج في 117 دولة. ومع أن النظام يحرص على إظهار الانتخابات بوصفها دليلاً على “استقرار الدولة ومضيّها في مسار ديمقراطي”، إلا أن مراقبين محليين ودوليين يرونها إعادة إنتاج لمشهد السيطرة المطلقة للأجهزة الأمنية على العملية السياسية.

هيمنة مطلقة وغياب التعددية

تجري هذه الانتخابات في ظل انعدام شبه تام للمنافسة السياسية، بعد أن أُقصيت قوى المعارضة أو أُجبرت على الصمت عبر الملاحقات الأمنية وحملات الاعتقال.
ويؤكد محللون أن “القائمة الوطنية” ليست سوى واجهة انتخابية لتحالف سياسي تديره أجهزة الدولة لضمان ولاء البرلمان المقبل، الذي يُنتظر أن يواصل تمرير القوانين المثيرة للجدل، كقوانين الطوارئ والضرائب والسياسات الاقتصادية التي أثقلت كاهل المصريين.
وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن الانتخابات تفتقر إلى تكافؤ الفرص، إذ تُسخّر وسائل الإعلام الرسمية والموالية لتلميع المرشحين المقربين من السلطة، فيما يُحاصر المعارضون ويُمنعون من الظهور الإعلامي أو تنظيم حملات انتخابية حقيقية.
ويقول أحد المراقبين المحليين إن ما يجري هو “نسخة مكررة من انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة التي شهدت عزوفاً شعبياً واسعاً، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة 17 في المئة”، في دلالة على فقدان الثقة بين المواطن والعملية السياسية برمتها.

انسحاب نشوى الديب.. صوت الاحتجاج من الداخل

الحدث الأبرز في اليوم الأول من التصويت كان إعلان النائبة نشوى الديب انسحابها من السباق الانتخابي، في خطوة نادرة داخل معسكر المرشحين، احتجاجاً على ما وصفته بـ”غياب النزاهة والشفافية”.
وقالت في بيانها: “لقد دخلتُ هذه الانتخابات مؤمنة بروح الجمهورية الجديدة ومتحلية بروح المنافسة الشريفة، إلا أن ما شهدته من مخالفات واضحة وعدم تكافؤ في الفرص يجعل من الاستمرار أمراً لا يتفق مع قناعاتي.”
وأضافت أن “الانتخابات النزيهة هي ركيزة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وحين تُفتقد هذه النزاهة فإن المشاركة تصبح شكلية لا جوهر لها”، مؤكدة أن انسحابها “دفاع عن قيم الديمقراطية وحق المواطن في اختيار حر ونزيه”.
خطوة الديب اعتبرها مراقبون “دليلاً إضافياً على غياب المصداقية في العملية الانتخابية”، إذ نادراً ما يجرؤ أحد من داخل النظام على إعلان موقف معارض علني.
ويقول محللون إن انسحابها يعكس “تصدعاً خفياً داخل النخبة السياسية التي ضاقت ذرعاً بالتحكم المفرط للأجهزة الأمنية في تفاصيل العملية الانتخابية، بدءاً من الترشيحات وحتى توزيع الأصوات”.

انتخابات بلا روح.. وصندوق بلا قيمة

رغم حديث النظام عن إشراف قضائي ومراقبة منظمات مدنية، فإن المعارضة تعتبر هذه المظاهر مجرد “ديكور سياسي”، في ظل انعدام أي دور حقيقي للهيئات الرقابية المستقلة.
ففي حين تصف الهيئة الوطنية للانتخابات المشهد بأنه “عرس ديمقراطي”، يرى معارضون أن الدولة تعامل الصندوق كأداة شرعية لتجميل صورة النظام في الخارج، خصوصاً في ظل الانتقادات الحقوقية الدولية التي تواجهها مصر.
ويرى خبراء أن البرلمان القادم سيكون مجرد امتداد للسابق، يؤدي دور “السكرتارية التشريعية” للرئيس، من دون ممارسة فعلية للرقابة أو المساءلة، وهو ما يفسر عزوف الناخبين عن المشاركة، في ظل تدهور اقتصادي حاد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وفي هذا السياق، وصف أحد المراقبين الانتخابات بأنها “مسرحية انتخابية تُدار بإحكام من الأجهزة الأمنية، هدفها إظهار صورة استقرار مزيف أمام العالم، بينما الواقع السياسي الداخلي يعاني من انسداد كامل”.

مع استمرار هذه الدورات الانتخابية الشكلية، يبدو أن نظام السيسي يُصر على الحفاظ على واجهة ديمقراطية هشة لتسويقها دولياً، دون السماح بأي منافسة حقيقية.
البرلمان القادم، وفق معظم التقديرات، لن يكون سوى نسخة محسّنة من مجالس سابقة خضعت بالكامل لتوجيهات السلطة التنفيذية.
أما انسحاب نشوى الديب، فيبقى علامة فارقة تكشف عمق الأزمة السياسية داخل النظام، وتعيد إلى الواجهة سؤال الشرعية الشعبية التي تآكلت بفعل القمع وغياب العدالة.
ومع تزايد معدلات الفقر وتدهور الخدمات العامة وارتفاع الدين العام، يبدو أن المصريين باتوا يرون في هذه الانتخابات مجرد “مسرحية انتخابية جديدة في جمهورية بلا ديمقراطية”.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يحرم مرضى غزة من الدواء: 350 ألف مريض مزمن يواجهون الموت البطيء