في تصعيد دموي جديد للحرب الدائرة في السودان، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن أكثر من 40 شخصاً، بينهم أطفال وعاملون في المجال الصحي، لقوا مصرعهم في هجوم وحشي على مستشفى مدينة “المجلد” بولاية غرب كردفان، يوم السبت الماضي.

الهجوم الذي لم تُحدّد الجهة المسؤولة عنه رسمياً حتى الآن، يأتي في سياق سلسلة من الانتهاكات التي طالت المنشآت الطبية والإنسانية منذ اندلاع النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، حربٌ تتعمّق يوماً بعد يوم، ويمتد لهيبها ليحرق ما تبقى من بنية السودان المنهكة.

جريمة ضد الإنسانية: المستشفيات في مرمى النيران

لم يكن مستشفى المجلد مجرد مبنى يقدم العلاج، بل كان آخر ملاذ للمدنيين الجرحى والمرضى في منطقة تعاني من حصار مستمر وتدهور في الخدمات.

 وبحسب بيان تيدروس، فإن الهجوم أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 40 شخصًا، بينهم كوادر طبية، في مشهد يعكس “ازدراءً صريحًا للقانون الدولي الإنساني”. وأضاف تيدروس أن “الهجمات على مرافق الرعاية الصحية تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، ويجب أن تتوقف فورًا”، داعيًا الأطراف المتحاربة إلى احترام حرمة المستشفيات وحق المدنيين في الوصول إلى الرعاية الصحية.

لكن هذا النداء لا يبدو أنه يجد آذانًا صاغية، فمع مرور أكثر من عام على اندلاع الحرب، تتواصل الاعتداءات على البنية التحتية الصحية بلا هوادة، وسط صمت دولي مشين، واكتفاء المنظمات الإنسانية بالإدانة الكلامية دون إجراءات فعلية لردع المعتدين أو محاسبتهم.

المستفيد الخفي: الإمارات وتأجيج ألسنة الحرب

ورغم أن البيان الأممي لم يحمّل جهة بعينها مسؤولية هذا الهجوم، فإن تقارير وتحقيقات عديدة، إلى جانب شهادات منظمات حقوقية، تشير إلى أن الإمارات تلعب دورًا مركزيًا في تأجيج هذا النزاع، من خلال دعمها لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، طمعًا في السيطرة على ثروات السودان، وعلى رأسها الذهب.

فمنذ الأشهر الأولى للحرب، رُصدت طائرات شحن إماراتية وهي تهبط في مطارات ليبية أو تشادية محمّلة بالسلاح والذخائر، ليتم نقلها لاحقًا إلى قوات الدعم السريع. كما كشفت تحقيقات أجرتها وكالات صحفية دولية أن شركة “الجنيد”، الذراع الاقتصادية لقوات الدعم السريع، كانت تُصدّر الذهب السوداني مباشرة إلى الإمارات طوال السنوات الماضية، في ترتيب مكّن أبو ظبي من الاستفادة من ثروات البلاد مقابل تسليح ميليشيات حميدتي التي تشعل الفوضى وتنهب المدن وتقتل المدنيين.

هذا الدعم غير المباشر، ولكن المؤثر، أسهم في إطالة أمد الحرب، وإفشال كل محاولات التهدئة، إذ ترفض قوات الدعم السريع أي تسوية تُضعف موقعها عسكريًا أو اقتصاديًا، مدفوعة بثقة تنبع من الدعم الخارجي الذي تتلقاه.

السودان في جحيم دائم: أكثر من 20 ألف قتيل و15 مليون نازح

وبحسب الأمم المتحدة، تجاوز عدد القتلى في السودان حاجز 20 ألف شخص، بينما أجبر أكثر من 15 مليون إنسان على النزوح داخل البلاد أو الفرار منها، في أكبر موجة تهجير تشهدها أفريقيا منذ عقود. وتحوّلت العاصمة الخرطوم إلى مدينة أشباح، بينما تعيش مدن دارفور وكردفان تحت القصف والمجاعة والقتل على الهوية.

وتحذر منظمات الإغاثة من أن استمرار استهداف المستشفيات والمراكز الطبية يُنذر بانهيار كامل لمنظومة الرعاية الصحية في البلاد، ما يعني ازدياد معدلات الوفيات، وانتشار الأوبئة، وحرمان ملايين السودانيين من أبسط حقوقهم في العلاج والدواء، خاصة في ظل الحصار المفروض على بعض المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، أو تلك التي تتعرض لهجمات يومية من الجيش السوداني.

خاتمة: صمت المجتمع الدولي وغياب المحاسبة

إن المجزرة التي وقعت في مستشفى المجلد ليست مجرد جريمة معزولة، بل هي نموذج صارخ على حجم الانهيار الأخلاقي الذي يعيشه المجتمع الدولي في تعاطيه مع أزمة السودان. 

إذ تغيب المساءلة، وتُترك دولة بأكملها تحترق بين مطرقة حرب عبثية وسندان أطماع خارجية، تقودها أنظمة مثل الإمارات التي تستغل الفوضى لنهب الذهب وشراء الولاءات.

إن استمرار التهاون مع داعمي الحرب، وغياب الضغوط الفعالة لوقف تسليح الميليشيات، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدماء، والمزيد من الضحايا، والمزيد من الأطفال الذين يُدفنون تحت أنقاض مستشفياتهم. فهل سيتحرك العالم قبل أن يتحول السودان إلى مقبرة جماعية؟

اقرأ أيضًا : ضربات إيرانية موجعة تتوالى على إسرائيل.. موجات صواريخ تشل البنية الحيوية وتكشف هشاشة الجبهة الداخلية