تتواصل اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، لتكشف عن تصاعد خطير في أعمال العنف المنظمة التي تقف وراءها منظمات استيطانية متطرفة، تعمل ضمن ما بات يعرف بـ”الاستيطان العقائدي”، وتجد في دعم الحكومة الإسرائيلية وأذرعها العسكرية بيئة مثالية لارتكاب جرائمها.
فمنذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وثّقت الأمم المتحدة أكثر من 264 اعتداء نفذه مستوطنون ضد الفلسطينيين، وهو العدد الأعلى منذ أن بدأت المنظمة الدولية رصد هذه الهجمات عام 2006.
وتؤكد هذه الأرقام أن العنف لم يعد مجرد “حوادث فردية” كما تزعم سلطات الاحتلال، بل أصبح سياسة ممنهجة تهدف إلى تهجير السكان الفلسطينيين وتفريغ القرى من أهلها، تمهيدًا لضم مزيد من الأراضي تحت ما يُسمى “مشروع يهودا والسامرة الكبرى”.
“فتيان التلال”.. نواة الإرهاب الاستيطاني
تُعد منظمة “فتيان التلال” (Hilltop Youth) الأكثر خطورة بين الجماعات الاستيطانية في الضفة الغربية. نشأت عقب الانتفاضة الثانية عام 2001 من بقايا مجموعات استيطانية عقائدية، وسرعان ما تحولت إلى حركة شبابية تمزج بين التطرف الديني والعنف العقائدي، مستلهمة فكرها من التيار التوراتي المتشدد الذي يرفض الدولة الإسرائيلية العلمانية ذاتها، لكنه يستخدم مؤسساتها الأمنية كغطاء لأنشطته.
يعتمد “فتيان التلال” أسلوبًا واضحًا في التوسع، إذ يبدأ بالسيطرة على تلال مشرفة على قرى فلسطينية، ثم نصب خيام وبؤر رعوية صغيرة تتحول تدريجيًا إلى مستوطنات غير قانونية، لتصبح أمرًا واقعًا يحميه جيش الاحتلال. ومع مرور الوقت، تصبح هذه النقاط مراكز انطلاق لاعتداءات ضد المزارعين الفلسطينيين، خصوصًا في مواسم الزيتون.
خلال السنوات الماضية، ارتكب أعضاء هذه الجماعة جرائم قتل وإحراق منازل ومساجد، وأُدرج عدد من قياداتها على قوائم العقوبات الأميركية والأوروبية عام 2023، لكن نشاطها لم يتوقف بل ازداد بدعم من وزراء اليمين المتطرف في الحكومة الحالية وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
منظمات أخرى تكمل منظومة العنف
ولا تقف منظومة الإرهاب الاستيطاني عند “فتيان التلال” وحدها، بل تضم منظمات أخرى تتبادل الأدوار تحت شعارات مختلفة.
من أبرزها جماعة “جباية الثمن” (Price Tag)، وهي امتداد مباشر لـ”فتيان التلال”، تشكلت مطلع العقد الثاني من الألفية، وتتولى تنفيذ اعتداءات انتقامية ضد الفلسطينيين والعرب داخل الخط الأخضر، عبر إحراق سيارات ومساجد وكتابة شعارات عنصرية مثل “الموت للعرب” و”هذه أرض إسرائيل”. وتتباهى الجماعة بترك توقيعاتها في مواقع الهجمات في رسالة تهديد جماعية.
أما منظمة “حارس يهودا والسامرة” (The Guardian of Judea and Samaria)، فقد تأسست عام 2013 كميليشيا تطوعية لحماية المزارع والبؤر غير القانونية، لكنها تحولت فعليًا إلى ذراع ميدانية للمستوطنين المسلحين. وتشير تقارير حقوقية إلى أنها شاركت في عشرات الاعتداءات المسلحة على الفلسطينيين خلال العام الماضي، ما دفع بريطانيا إلى فرض عقوبات عليها عام 2024.
وفي أعقاب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، استغل جيش الاحتلال الفوضى الأمنية لتشكيل ما يسمى “ألوية الدفاع الإقليمي”، وهي وحدات شبه عسكرية تضم نحو 5500 من سكان المستوطنات، وتعمل تحت إشراف مباشر من الجيش في مناطق تماس مع القرى الفلسطينية. وتشير منظمات حقوقية إسرائيلية مثل “بتسيلم” إلى أن هذه الألوية مسؤولة عن عمليات قتل وحرق وتخريب جرت في الأشهر الأخيرة بذريعة “حماية المستوطنات”، لكنها في الواقع تؤدي مهمة طرد الفلسطينيين من أراضيهم.
أهداف سياسية مغطاة بالدين والأمن
التحليل الأعمق لهذه التنظيمات يوضح أن عنفها ليس عفويًا، بل يخدم استراتيجية إسرائيلية ممنهجة تقوم على تحويل الضفة الغربية إلى فضاء مفتت خالٍ من التواصل الجغرافي الفلسطيني، تمهيدًا للضم التدريجي. فالهجمات التي تستهدف المزارعين والحقول والآبار والطرق الحيوية تهدف إلى جعل الزراعة الفلسطينية غير مستدامة، وإجبار السكان على الرحيل.
ويؤكد خبراء أن هذه الجماعات تعمل بتواطؤ من الجيش والشرطة الإسرائيلية، إذ نادرًا ما يُحاسب المستوطنون، بل يُمنحون الحماية أثناء تنفيذ اعتداءاتهم. كما تُستخدم هذه الجماعات كأداة ضغط سياسي داخلية لتوسيع المستوطنات، عبر فرض وقائع ميدانية تجبر الحكومات على شرعنة البؤر التي تقيمها.
ويرى الباحث الإسرائيلي اليساري “يوسي ميليمان” أن ما يحدث في الضفة “ليس تمردًا استيطانيًا، بل تنفيذ لخطة حكومية بوسائل غير رسمية”، مشيرًا إلى أن “تل أبيب تستخدم المستوطنين المتطرفين لتحقيق ما لا تستطيع قوله علنًا أمام المجتمع الدولي”.
الاحتلال في مواجهة القانون الدولي
تُذكّر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مرارًا بأن إسرائيل، التي احتلت الضفة الغربية والقدس الشرقية عام 1967، تنتهك ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف التي تحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة. ومع ذلك، تواصل سلطات الاحتلال حماية وتوسيع المستوطنات التي تجاوز عددها 150 بؤرة، يسكنها أكثر من 700 ألف مستوطن.
وبينما تتحدث الحكومة الإسرائيلية عن “الدفاع الذاتي”، يرى الفلسطينيون والمنظمات الحقوقية أن ما يجري هو تطهير عرقي صامت، يستهدف اقتلاع الوجود الفلسطيني من الريف والجبال، وتحويل حياة المدنيين إلى جحيم دائم.
فـ”فتيان التلال” ورفاقهم من جماعات الاستيطان المسلحة لم يعودوا مجرد ميليشيات متطرفة، بل أصبحوا ذراعًا رسمية للاحتلال تنفذ خططه بأدوات عنف غير مقننة، وسط صمت دولي يكتفي بالتنديد دون اتخاذ إجراءات رادعة.
خاتمة
في ظل استمرار هذه السياسات، تبدو الضفة الغربية اليوم أمام مرحلة استعمار جديدة تتجاوز مجرد السيطرة على الأرض نحو تحطيم مقومات الحياة الفلسطينية. فالمستوطنون ينهبون الأرض، والجيش يحميهم، والمجتمع الدولي يراقب بصمت. وهكذا، تتحول منظمات مثل “فتيان التلال” إلى رمز لواقع استيطاني متوحش، يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يحتاج إلى إعلان رسمي للضم، بل يطبقه يوميًا على الأرض، حجرًا بعد حجر، وتلاً بعد تل.
اقرأ أيضًا : في ظل خيانة محمود عباس.. هجمات المستوطنين تسجل مستوى قياسيا في الضفة الغربية