تحولت جزيرة “سازان” الألبانية، التي ظلت لعقود قاعدة عسكرية مغلقة خارج الخرائط السياحية ومحمية طبيعية بكر، إلى عنوان لأحدث فضائح الجشع والطمع التي تقودها عائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فبموجب موافقة نهائية انتزعتها شركة “أتلانتيك إنكيوبيشن بارتنرز” التابعة لـ جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب من حكومة رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، جرى وضع اليد على واحدة من آخر الجزر العذراء في البحر الأبيض المتوسط لتحويلها إلى منتجع سياحي حصري للأثرياء بقيمة استثمارية تناهز 1.4 مليار دولار (نحو 1.5 مليار دولار)، في خطوة أشعلت غضباً شعبياً وقانونياً واسعاً عصف بالعاصمة تيرانا وهز أركان النظام الحاسي.
وجاء هذا الاستحواذ الفج ليعري عقلية النهب والسطو على مقدرات الشعوب التي تميز عائلة ترامب؛ حيث خرجت إيفانكا ترامب في مقابلة إعلامية لتدعي بصلف وكذب أن الجزيرة “خاصة وأنها هي من اكتشفتها” إثر سباحة عابرة خلال رحلة بحرية، متجاهلة التاريخ العسكري والثقافي الثقيل للجزيرة الممتدة على مساحة 1400 هكتار، والتي كانت تشكل خط الدفاع البحري الأول لألبانيا إبان الحرب الباردة، وتضم آلاف الأنفاق والمخابئ العسكرية المهجورة وسط تنوع بيولوجي فريد.
“ألبانيا ليست للبيع”
أثار هذا التواطؤ الحكومي مع جشع عائلة ترامب موجة من الغضب الشعبي العارم التي تُرجمت إلى مظاهرات واحتجاجات ضخمة اجتاحت شوارع العاصمة تيرانا والمناطق المحيطة بها تحت شعار مدوٍ: “ألبانيا ليست للبيع”. ورفض الآلاف من المواطنين الألبان ونشطاء البيئة تحويل محميتهم الطبيعية وتاريخهم العسكري إلى أرباح خاصة في جيوب المستثمرين الأمريكيين النافذين.
وتطورت الاحتجاجات الميدانية إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن؛ حيث صب المتظاهرون جام غضبهم على السياسات الحكومية التي اتهموها بالفساد وبيع أصول الدولة، وقام محتجون غاضبون بمحاصرة وإحراق أجزاء من مقر رئاسة الوزراء ومكاتب حكومية تابعة لرئيس الحكومة إيدي راما، كرسالة حاسمة ترفض التفريط بسيادة البلاد. واعتبر المحتجون أن التعديلات التشريعية المشبوهة التي أقرتها الحكومة عام 2024 لإعادة تصنيف المناطق المحمية، لم تكن إلا فصلاً من فصول الفساد القانوني المصمم خصيصاً لتسهيل استيلاء كوشنر وإيفانكا على الجزيرة الحساسة بيئياً.
تفجير الغضب رقمياً: حملات سبرانية تكشف الفساد والتدمير البيئي للمشروع
بالتوازي مع الغليان في الشارع، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بحملات إلكترونية واسعة قادها ناشطون ألبان وأوروبيون عبر أوسمة ومنشورات فضحت الأبعاد السياسية والبيئية التدميرية للمشروع. وكشفت الحملات الرقمية عن مخاوف حقيقية من إبادة النظام البيئي في منطقة “نارتا-زفيرنيك” المجاورة لجزيرة سازان، والتي تعد من أهم الممرات الطبيعية للطيور المهاجرة في أوروبا وتضم أراضٍ رطبة بالغة الحساسية، مهددة اليوم بالاندثار جراء التوسع العمراني وبناء مرسى اليخوت والفنادق الفاخرة.
ونشر المغردون والنشطاء وثائق وتقارير تؤكد ما أورده موقع “بوليتيكو” الأمريكي بشأن فتح الادعاء الألباني المختص بمكافحة الفساد لتحقيقات موسعة حول التغييرات القانونية المريبة التي منحت كوشنر صفة “المستثمر الاستراتيجي”. واعتبرت الحملات على السوشيال ميديا أن ما تصفه إيفانكا ترامب بـ “الرؤية المعاصرة لتطوير الجزيرة” ليس سوى غطاء لعملية اغتصاب ممنهجة للموارد الطبيعية ومحو للهوية التاريخية للبلاد لصالح الاستقواء بالنفوذ السياسي لعائلة ترامب.
معادلة الاستنزاف: سقوط السيادة أمام توغل الرأسمالية المتوحشة
تصر الحكومة الألبانية على الدفاع عن المشروع بزعم أنه يلتزم بالمعايير القانونية ويوفر نحو 1000 فرصة عمل، محاولةً تسويق الغزو الاستثماري كرافعة اقتصادية للسياحة؛ غير أن الواقع الميداني والسياسي يثبت عكس ذلك. إن نجاح كوشنر وإيفانكا في انتزاع الموافقات الرسمية يمثل نموذجاً صارخاً لكيفية توظيف النفوذ السياسي العائلي العابر للقارات لابتزاز الدول النامية واغتصاب مقدراتها البكر وتحويلها إلى ملكيات خاصة تحت غطاء “التطوير الاستراتيجي”.
وفي المحصلة، فإن جزيرة سازان باتت اليوم شاهداً حياً على الصراع بين حق الشعوب في حماية سيادتها وطبيعتها، وبين جشع وتغول عائلة ترامب الاستثمارية؛ إن ألسنة النيران التي التهمت مقار حكومية في تيرانا والغضب الرقمي المستعر يبعثان برسالة واضحة بأن الطبيعة والتاريخ الألباني لن يكونا لقمة سائغة للاستعمار الرأسمالي الحديث، وأن العروش والمنتجعات الفاخرة التي يخطط كوشنر وإيفانكا لبنائها فوق أنفاق ومخابئ سازان ستظل محاصرة بقرن من الرفض الشعبي والملاحقات القضائية التي تعري زيف الأمان الاستثماري المبني على سلب مقدرات الأوطان.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين